بعد الشّارع والانتخابات… عودة المنظومة ماليّاً!

كيف نحكمهم من جديد وبشكل مستدام؟ كيف نعيد إحياء زعاماتنا؟ وكيف نوفّر لها الإمكانات الماليّة والمادّية للسيطرة على الناس، بعد سلسلة الانهيارات في الأعوام الأربعة الأخيرة؟ هذه الأسئلة المفترضة لدى المنظومة وسياسيّي لبنان، والمقدّرة في سلوكهم كلّ يوم، أجابت عنها دراسة دقيقة حول الموضوع وردت فيها تحذيراتٌ خطيرة ممّا يحصل، ومن أنّ المخطّط قد بدأ يُثمر فعلاً لا قولاً!!

منذ تأسيس وصاية الاحتلال السوري قبل أكثر من ثلاثة عقود، قامت تركيبته اللبنانية، في جملة ما ارتكزت عليه، على سيبة ماليّة.

ليس المقصود السرقة أو الإثراء بشكل جزائي مباشر، كما يحاول البعض عبثاً البحث أو التحقيق، بل إعطاء كلّ قطب من أقطاب الوصاية المقدّرات الماليّة والمادّية اللازمة لتكوين زبائنيّته، أي توفير الإنفاق الضروري والخدمات اللازمة لتطويع كمّية من البشر، أصواتاً انتخابية وأزلاماً شارعيّين وبنية زعامتيّة “ديكيّة”، بما يضمن الولاء للزعيم. وذلك وفق ثنائية القهر الذاتي: الحاجة والخوف. الحاجة إلى رضى الزعيم، والخوف من عدمه.

نجحت تلك المعادلة بشكل لافت. وتغذّت بشكل أساسي على رافدين رئيسيَّين اثنين: التركيبة المصرفيّة وتركيبة الدولة.

التركيبة المصرفيّة

في التركيبة المصرفية، يكفي الاستذكار بأنّه كان هناك أكثر من 160 مليار دولار تصرّف بها أركان المنظومة من خلال فوائد وتنفيعات وقروض وألف باب ارتزاق.

يكفي استعراض لوائح القروض الخيالية التي أُعطيت لأسلاك كاملة تقريباً من القطاع العامّ، وخصوصاً من الفاعلين فيه، قضاةً وأمنيّين وملحقاتهم.

ثمّ لائحة قروض تفريخ الأزلام الوجهاء. وهي قروض أكبر وبمليارات الليرات، في زمن الدولار 1,500 ليرة، وبفائدة 1% أو 2%، وبذرائع مصرفية مختلفة. كانت توظَّف أموالها في مهزلة السندات بعشرة أضعاف تلك الفائدة أو أكثر. وهو ما يعني باب رزق لزبانية النظام بملايين الدولارات جعلت منهم وجهاء و”زويعمين” يمثّلون سلطة الزعيم في كلّ قرية وبلدة وقطاع. حتى إنّ بعضهم انتقل إلى مستوى أعلى. ودائماً ببركة زعيمهم. فانخرطوا في نشاطات استثمارية أخرى في لبنان وخارجه، ليشكّل مجموعهم طبقة ماليّة جديدة خادمة لمنظومة السلطة.

ثمّة مليار دولار كاملة طارت هنا. وهي مفتاح أساسي لتمويل المنظومة المتجدّد من باب التهريب والتهرّب

تركيبة الدولة

أمّا في تركيبة الدولة، فتركّز العمل الزبائنيّ على بابين اثنين: التوظيف والإنفاق. وهنا أيضاً نتحدّث عن أرقام خيالية. تركيبة سلطوية أنفقت خلال ثلاثين عاماً أكثر من 400 مليار دولار، ثلثها على الأقلّ على التوظيف. أي حشو الإدارات بالمحاسيب والأزلام.

نتحدّث هنا عن أكثر من 300 ألف راتب شهرياً، بين موظّف ومتقاعد. أي ما يقارب نصف اليد العاملة اللبنانية يومها. ومع عائلاتهم نكون أمام أكبر حزب في المجتمع خضع لولاء 4 أو 5 أشخاص.

أمّا في الإنفاق فنتحدّث عن ثلث آخر من مجموع الإنفاق الزبائنيّ عبر تعهّدات وتلزيمات وشراء وبيع وسلسلة لا تنتهي من أبواب الاستفادة والإفادة. وبالتالي مئات مليارات الدولارات أيضاً.

يكفي مثلٌ واحدٌ كشفه تدقيق ألفاريز ومارسال. شكراً فعلاً ميشال عون. إذ ظهر أنّ فاتورة فيول كهرباء لبنان وحدها، طوال 10 سنوات فقط، كانت 20 مليار دولار. وفي حساب سريع للنائب الخبير ميشال ضاهر، كان يكفي هذا المبلغ لإضاءة لبنان كلّه 24 ساعة/ 24 لفترة ضعفَي تلك المدّة! إضافة إلى 5 مليارات دولار أخرى نفقات وزارة الطاقة لا تدخل ضمنها كلفة السدود!

أين ذهبت تلك الأموال؟ البعض يسارع إلى القول: أكثر من ثلثها فاتورة التهريب إلى سوريا.

لكنّ هذا التهريب نفسه كان وما زال مرعيّاً من أزلام المنظومة.

بعضٌ آخر يقول إنّ فاتورة الفيول كانت تشكّل صندوقاً أسود مشتركاً منذ 1991 حتى هذه اللحظة، توزَّع عائداته على الجميع بلا استثناء، وإن بنسب مختلفة.

بالنهاية النتيجة نفسها. أفلس البلد. وأثرى الزعماء. والأهمّ، صار لكلّ قطب دولته الكاملة من الأنصار ورجال الأعمال و”أبناء الدولة” ومفاتيح الخدمات والتنفيعات واحتكارها وما بينهم.

حتى جاء الانهيار. وكان محسوباً ومقدّراً. ولم يفاجئ إلا المغفّلين منّا نحن المساكين.

نسب التهرّب الاقتراعيّ من هيمنة زعماء المنظومة، كانت العليا في تاريخ لبنان السياسي، ربّما منذ الاستقلال

نتائج الانهيار

أهمّ نتائج الانهيار أنّه ضرب موارد المنظومة كلّها دفعة واحدة: لا مصارف بكلّ تنفيعاتها. لا توظيف في الدولة، إلا بنزرٍ بسيطٍ بين شراء خدمات أو مياومة. وبمقابل ماليّ مخزٍ. حتى إنّ هذا المورد السابق تحوّل عبئاً على أقطاب المنظومة. نظراً إلى انهيار رواتب القطاع العامّ. ولا إنفاقَ رسميّاً من تلزيمات وتعهّدات واقتطاعات ماليّة.

كارثة فعليّة ظهرت نتائجها الأوّلية ولو بشكل جزئيّ، في انتخابات 2022. فنسب التهرّب الاقتراعيّ من هيمنة زعماء المنظومة، كانت العليا في تاريخ لبنان السياسي، ربّما منذ الاستقلال. واللافت أنّ نسب التهرّب من الاقتراع للزعيم المذهبي، جاءت مطابقة نسبياً، لخسارة كلّ زعيم لموارده المالية والزبائنية، بشكل دقيق. فبقدر ما خرج الزعيم من جنّة السلطة، خرج أزلامه عن مونته الانتخابية.

لكن مع كلّ ذلك، نجت المنظومة من قطوعين كبيرين تهدّدا وجودها. قطوع الشارع بين 2019 و2020. وقطوع صناديق الاقتراع سنة 2022. وفيما وفّر لها الحزب حمايةً مادّية واضحة، لم يعد أمامها إلا اجتياز قطوع صناديق حساباتها الماليّة.

اليوم يبدو أنّ البحث الجدّي كلّه متركّز على هذه الناحية: كيف نضمن استدامة المقدّرات المالية اللازمة لبقاء زبائنيّاتنا، على الرغم من كلّ العسر والأزمات؟ ويبدو أنّ الحاجة فعلاً أمّ الاختراع وأبو اجتراح مزاريب التنفيعات.

المنظومة

تشير دراسة مرفوعة إلى جهة معنيّة إلى أنّ جواب المنظومة على هذا التحدّي بدأ يتبلور تدريجياً عبر الخطوات والمؤشّرات التالية:

1- الفجوة الماليّة الهائلة في تقدير عائدات الضريبة على القيمة المضافة. ففي بلد ناهز استيراده 19 مليار دولار سنوياً، ورسوم هذا الاستيراد أكثر من 800 مليون دولار، تؤكّد أبسط معايير المحاسبات العمومية أنّ إيرادات ضريبة القيمة المضافة فيه يجب ألّا تقلّ عن مليارَي دولار، فيما هي مقدّرة في موزانة 2024 بأقلّ من مليار.

ثمّة مليار دولار كاملة طارت هنا. وهي مفتاح أساسي لتمويل المنظومة المتجدّد من باب التهريب والتهرّب.

نجحت تلك المعادلة بشكل لافت. وتغذّت بشكل أساسي على رافدين رئيسيَّين اثنين: التركيبة المصرفيّة وتركيبة الدولة

وهو مليار تُضبط تنفيعاته بين مرافق الاستيراد وبين وزارة الماليّة. وبين هلالين، لهذا ربّما نشهد هذا الاستشراس على تعيين موظّفي الجمارك، والاستشراس المقابل على المحاصصة فيهم.

2- فجوات زبائنيّة أخرى واضحة وإن بكمّيات ماليّة أقلّ، في سلسلة أبواب الموازنة كافّة. مثلاً مرافق قيمتها عشرات ملايين الدولارات ملزّمة ببضعة آلاف الدولارات.

مثل آخر اختفاء لعائدات الريجي. من مئات ملايين الدولارات قبل الأزمة، إلى نحو 4 ملايين دولار فقط في موازنة 2024. فهل صارت أسعار الدخان شبه مجّانية؟ طبعاً لا. أو هل انقرض المدخّنون؟ قطعاً لا. فها هم يرمون وسخهم على البلد برمّته، بمعدّل 40 مليون عقب سيجارة يوميّاً.

أين تبخّرت عائدات هذا القطاع إذن؟ هي قطبة مخفيّة لا يدركها إلّا الراسخون في الحسابات!

3- فتح أبواب جديدة للتعويض عمّا خسرته تركيبة الزبائنيّة. نورد مثلاً أخيراً، وهو تشريع الإنترنت غير الشرعي. وهنا الحديث عن قطاع يمثّل أكثر من ضعفَي القطاع الرسمي. وعاش تاريخياً بالتواطؤ والتآمر على قتل الرسمي والشرعي. قطاع مافيوزيّ بأكثر من مئة مليون دولار أرباحاً سنوية الآن. يسيطر عليه شخصان، بمعزل عن لوائح الـ 86 شركة وغيرها من التضليلات. شخصان وشريكان. والباقي كومبارس. فيما موظّفو القطاع الرسمي يعملون عندهم عمليّاً. يقطعون الخطوط أو يعرقلون طلبات التجهيز والإمداد.

تعطي الدراسة مثلاً عن بلدة معروفة في قلب جبل لبنان. أُنجزت فيها بنية الفايبرأوبتيك منذ أعوام. وما زال عدد المشتركين الشرعيين فيه بضع مئات. بينما عدد المشتركين في الإنترنت غير الشرعي في نطاقها، نحو 20 ألفاً. والسبب تواطؤ الموظّفين مع مافيا غير الشرعيّ!

إقرأ أيضاً: سياسيّونا في واشنطن: لماذا يحتقروننا؟!

باختصار، ومن مجمل ما تورده الدراسة من معطيات وأمثلة وأرقام وفضائح، تبرز بداية مشروع جديد ومتكامل، لإعادة إحياء المنظومة ماليّاً، على حساب جوع الناس ووجعها، وبإعادتهم إلى نظام الحاجة والخوف، بالتجويع وبالتخويف.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@JeanAziz1

إقرأ أيضاً

ساعات الخيارات الصّعبة

“غد بظهر الغيب واليوم لي   وكم يخيب الظنّ بالمقبل” (عمر الخيّام) بالبداية، ليس لواحد مثلي مرتبط بشكل لصيق بقضية فلسطين ومبدأ مواجهة الاستعمار ومكافحة الظلم…

أين العرب في اللحظة الإقليميّة المصيريّة؟

الوضع العربي مأزوم. العرب في عين العاصفة. لا يحتاج الأمر إلى دلائل وإثباتات. سوريا كانت لاعباً إقليمياً يُحسب له ألف حساب، صارت ملعباً تتناتش أرضه…

ضربة إسرائيل في أصفهان وصفعة الفيتو في نيويورك

هل نجحت أميركا بـ”ترتيب” الردّ الإسرائيلي على طهران كما فعلت في ردّ الأخيرة على قصف قنصليّتها في دمشق؟ هل نجحت في تجنّب اتّساع المواجهة بين…

غزة: العودة من الركام إلى الركام

احتلّت الحرب على غزة منذ انطلاق شراراتها الأولى في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلى أيّامنا هذه، أوسع مساحة في المعالجات الإعلامية المرئية والمقروءة…