“دار العجزة الإسلامية”: مستشفى بيروتيّ يستحق اهتمامنا..

“اذكرونا بالخير”… شعار غالباً ما كنّا نسمعه في الراديو أو نشاهده مرفقاً ببعض اللقطات المصوّرة لعدد من المسنّين على التلفزيون. وغالباً ما كان يرتبط أوتوماتيكيّاً في عقولنا بعنوانين: “دار العجزة الإسلامية” وشهر رمضان، اللذين تحوّلا في مخيّلتنا إلى “توأمين”. على الرغم من أنّ رمضان يحلّ مرّة في السنة بينما دار العجزة باقية ثابتة لا تتزحزح… لدرجة أنّنا ما عدنا نتذكّر وجود تلك الدار إلّا خلال شهر الصوم، وننساها بقيّة أيّام السنة.

مع بداية هذا الشهر، تسنّى لـ”أساس” زيارة الدار، والاطّلاع على أقسامها ومحادثة فريقها الإداري، وعدد من أطبّائها وعلى رأسهم المدير الدكتور بدر زيدان.

واحة في صحراء

حينما تدخل الدار تُفاجأ بالتنظيم والترتيب والنظافة، التي لا تعكس البيئة الموجودة فيها. تلك البيئة التي تشبه “صحراء قاحلة” تتوسّطها واحة: في الخارج، عشوائيات سكنية ونفايات تملأ الزوايا ومياه آسنة تطوف بها الطرقات. بينما في الداخل أزهار وشتول ونظافة تستقبل قاصد الدار من العتبة.

في بهو مدخل مستشفى دار العجزة الإسلامية، يستقبلك نصب تذكاري يروي تفاصيل الافتتاح ويحمل اسم رئيس الحكومة الأسبق حسين العويني. مع مجموعة من الصور بالأبيض والأسود للمؤسّسين ووجهاء العاصمة والخيّرين تعود إلى خمسينيات القرن الماضي. إلى يوم كانت بيروت أمّ الشرائع بالفعل، وواحة للفكر والثقافة والتقدّم.

تصل إلى الطبقات العليا بواسطة مصعد أو عبر درج طويل مفروش بدرجات من الموزاييك الأصفر، الذي يحاكي العمران البيروتي التراثي المتميّز بالسقوف المرتفعة. هناك يتوزّع النزلاء بين مسنّين ومرضى مسنّين ونزلاء الأمراض العصبية.

مجالسة مدير مستشفى دار العجزة الإسلامية تُشعرك بأنّك تجالس موظفاً تنفيذياً لا مديراً. إذ يتحرّك بالـ”جينز” ليتمكّن من التنقّل دوريّاً بين أقسام الدار على مدار دوام العمل بأريحية كاملة وبلا تكلّف. فالمدير طبّاخ وموظّف صيانة وميكانيكي وتقنيّ ودكتور في الوقت نفسه.

في بهو مدخل مستشفى دار العجزة الإسلامية، يستقبلك نصب تذكاري يروي تفاصيل الافتتاح ويحمل اسم رئيس الحكومة الأسبق حسين العويني

يعرف شؤون الدار كافّة، وملمّ بالأرقام وبأدقّ التفاصيل. يخبرك عن حجم ليترات المازوت التي تحرقها المولّدات في الساعة الواحدة. وكذلك عدد غالونات المياه التي تحلّيها “الفلاتر” من مياه البئر الارتوازية المالحة، وثمن وجبة الطعام اليومية، وكلفة الإقامة لكلّ نزيل وفق تغطياتهم الصحّية. يجول في المطبخ فيسأل عن الخضراوات والفواكه. ثمّ يتنقّل بين الأقسام ليرى ويعاين سير العمل في قسم الغسيل وقسم الصيانة أو قسم تشغيل مضخّات المياه والـ”فلتَرَة”. يلاحق العمّال بين الطوابق للإشراف على تركيب جهاز إطفاء الحرائق بين الطوابق الذي تبرّع به أخيراً الأمير الوليد بن طلال.

4 عقبات يواجهها المستشفى

يروي زيدان لـ”أساس” عن عقبات تواجه مستشفى دار العجزة الإسلامية، فيحصرها بـ4:

الأولى جغرافيّة: تخصّ المنطقة الموجودة بها الدار اليوم، الواقعة على تخوم منطقة الطريق الجديدة و”حائط” المدينة الرياضية. يستذكر زيدان كيف كانت تلك المنطقة بمنزلة “مَصيَف” بيروتيّ: قريبة من المطار (مكان المدينة الرياضية سابقاً) ومطلّة على البحر. ثمّ مع الوقت تحوّلت إلى منطقة شعبية غارقة باللاجئين السوريين والفلسطينيين. ومطوّقة بالعشوائيات السكنية التي طالت العقار الخاصّ بالدار وأكلت جزءاً كبيراً من عقار مستشفى دار العجزة الإسلامية. بينما السلطات اللبنانية تتفرّج وعاجزة عن فعل أيّ شيء.

الثانية أمنيّة: وتتعلّق للسبب نفسه أعلاه، بطبيعة البيئة المحيطة التي تؤوي بعض “الفتوّات” والمطلوبين أمنيّاً. حيث تضطرّ القوى الأمنيّة إلى مداهمتهم بين الحين والآخر، فتسدّ منافذ تلك المنطقة. وهو ما يعيق خروج ودخول الموظّفين والمرضى. وقد تمتدّ تلك الحالات لساعات. وهذا في نظر زيدان “يشكّل عائقاً كبيراً لعمل أيّ مستشفى وفق المعايير العالمية المعتمدة”، التي تفترض تأمين منافذ دائمة دخولاً وخروجاً بلا عوائق.

يكشف زيدان أنّ دار العجزة الإسلامية تسعى إلى تجهيز “قسم طوارىء” جديد. وذلك لاستقبال النزلاء والمرضى الجدد وتهيئتهم طبّياً واجتماعياً

الثالثة تنقّليّة: تخصّ قدرة اللوجستيات على بلوغ مستشفى دار العجزة الإسلامية. فالعشوائيات أكلت جزءاً كبيراً من الطرقات، التي تكاد لا تمرّ فيها سيارة واحدة. وهذا يمنع إجراءات “السلامة العامّة”. ففرق الإطفاء لا تستطيع الوصول إلى الدار في حال الطوارىء لإطفاء الحرائق وإخلاء المباني. يقول زيدان لـ”أساس” إنّ الدار تستكمل تجهيز مبانيها بجهاز للحرائق داخلياً. لكن خارجياً “لا قدرة لنا على تأمين الأمر، ونطالب الدولة بأن تتحمّل مسؤوليّاتها. في رقبة الدار نحو 300 نزيل و250 موظّفاً، ونحن نسعى مع المحافظ إلى البحث عن حلّ للأمر من خلال السماح لنا بحقّ المرور في أرض عقارنا المصادَرة”.

يضيف زيدان: “حتى شاحنات الوقود نطلبها من الحجم الصغير فنتكبّد أكلافاً إضافية بسبب عدم قدرة الشاحنات الكبيرة على الوصول إلى الدار لمدّنا بتلك المادّة الحيوية في ظلّ أزمة الكهرباء”.

الرابعة تغطية وزارة الصحّة: يكشف زيدان أنّ 60% من نزلاء مستشفى دار العجزة الإسلامية تغطّيهم وزارة الصحّة، التي تدفع اليوم عن كلّ نزيل يومياً 58 سنتاً فقط، وثمّة مفاوضات من أجل رفعها إلى 3 دولارات تغطّي الأكل والشرب والغسيل والأدوية والإنارة والطبابة… بينما الكلفة اليومية الفعليّة لكلّ نزيل هي 35 دولاراً بين مصاريف مباشرة وأخرى غير مباشرة.

دار العجزة الإسلامية

يغوص زيدان في التفاصيل فيشرح أزمة الكهرباء والمياه، فيقول: “تكرير المياه وتحليتها بعد معالجتها بالموادّ الكيميائية المطلوبة، يكلّفان الدار قرابة 12 ألف دولار شهرياً، أي نحو 1.5 دولار يوميّاً لكلّ نزيل. أمّا استهلاكنا اليومي للمازوت فهو كان قرابة 3,000 ليتر يومياً. وقد استطعنا أن نخفّضه إلى 600 ليتر بفضل نظام الطاقة الشمسية الذي تبرّع به أحد الخيّرين من أبناء العاصمة”.

مجالسة مدير مستشفى دار العجزة الإسلامية تُشعرك بأنّك تجالس موظفاً تنفيذياً لا مديراً

عائلات بيروت هم الأساس

يكشف زيدان أنّ الدار تقوم بتغطية مصاريف الدار والنزلاء بنسبة تراوح بين 80% و90%. بينما تتكفّل الوزارة بـ1.5% فقط. أمّا بقيّة المصاريف (بين 10% و20%) فيتحمّلها ذوو النزلاء الميسورون. كما يؤكّد أنّ تلك المساعدات “أغلبها من الخيّرين من أبناء العاصمة، وخصوصاً من العائلات البيروتية وأصحاب الشركات ورجال الأعمال، الذين يقدّمون للدار أموال زكاتهم بشكل سنويّ. تلك الأموال وحدها هي التي تسمح للدار بالاستمرار في تقديم كلّ تلك الخدمات”.

نسأل زيدان عمّا يطمح إليه المستشفى أو يطالب به من أجل تحسين وضع الدار، فيؤكّد أنّ ما تطمح إليه دار العجزة الإسلامية اليوم هو “عزل الأفكار المسبقة الموجودة لدى اللبنانيين وأهالي بيروت عن الدار”. يلفت إلى أنّ “الدار هي مستشفى وليست مأوى لمسنّين قرّر ذووهم عزلهم وأهملوهم ولا مركزاً لسجن المجانين مثلما يرسم البعض في مخيّلتهم. قطعاً لا. هي مستشفى للعلاج وللإقامة الطويلة يهتمّ برعاية المسنّين الـ Dependent المحتاجين إلى الرعاية أو المساعدة”.

يبيّن زيدان في حديثه إلى “أساس” ما يتميّز به مستشفى دار العجزة الإسلامية، فيقول: “المستشفى لا مثيل له على مستوى لبنان كلّه، لأنّه متخصّص برعاية كبار السنّ والصحّة العقلية فقط. وهذا غير موجود في بقيّة المستشفيات. ولهذا يستقبل طلابّ طبّ يريدون إجراء فترة التدريب من كلّ الجامعات في لبنان. مثل الجامعة الأميركية والعربية والبلمند والإسلامية وLAU… وذلك في مجال الطبّ والتمريض والمختبر والعلاج النفسي”. ويضيف: “حجم المستشفى الكبير وعدد النزلاء كفيلان بتقديم الخبرات المتخصّصة للطلّاب باعتباره مستشفى متخصّصاً بمجالات محدّدة وفيه العديد من الحالات”.

 يكشف زيدان أنّ 60% من نزلاء مستشفى دار العجزة الإسلامية تغطّيهم وزارة الصحّة، التي تدفع اليوم عن كلّ نزيل يومياً 58 سنتاً فقط

يكشف زيدان أنّ دار العجزة الإسلامية تسعى إلى تجهيز “قسم طوارىء” جديد. وذلك لاستقبال النزلاء والمرضى الجدد وتهيئتهم طبّياً واجتماعياً بعيداً عن المدخل الرئيسي بدافع الحفاظ على كرامتهم وخصوصيّتهم. ويعِد أن يبصر هذا المشروع النور في الأشهر المقبلة “بهمّة أهل الخير” من اللبنانيين وأبناء العاصمة.

إقرأ أيضاً: “دولة الحاج” حسين العويني: من “هيك هيك” إلى “دار العجزة”

في المختصر، يمكن القول إنّ تلك الدار هي من بين آخر المؤسّسات البيروتية الباقية والمستمرّة، وتستحقّ التفاتة أكبر من أهالي بيروت لأنّها منهم ولهم. خصوصاً الآن في ظلّ الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان وترهق الدولة ووزاراتها وخزينتها.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@emadchidiac

إقرأ أيضاً

الحزب لباسيل: الكلمة للميدان!

لم تلقَ رسالة النائب جبران باسيل إلى الدول الأعضاء في مجلس الأمن أيّ ردّ علني حتى الآن من الحزب في شأن الدعوة إلى صدور “قرار…

ماذا يحدث في “القنوات الخلفيّة” بين واشنطن وطهران؟

لا تتعلّق حسابات واشنطن فقط بشكل الرّدّ الإيرانيّ على قصف قنصليّة طهران في دمشق. إذ ترتبط أيضاً بشكلِ الرّدّ الإسرائيليّ على الضربة الإيرانيّة ليل السّبت…

لا حظوظ للمحاولة القبرصيّة.. وعودة النازحين لم تحِن بعد

لا أرقام موحّدة لعدد اللاجئين السوريين في لبنان. مركز الدولية للمعلومات أشار في إحصاء له إلى أنّ عدد النازحين يقارب مليوناً وستمئة ألف سوري. في…

نامَت بيروت على حرب واستفاقت على Hiking العاقورة!

أتت استجابة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي للزلزال العسكري الذي ضرب خطّ طهران-تل أبيب متأخّرة بالدعوة إلى عقد جلسة طارئة اليوم لمجلس الوزراء تحوّلت مساءً إلى…