إسرائيل تقترح على فلسطين دولة “ب”.. مصيرها الانهيار

بدأت تتكشف صورة “اليوم التالي” للحرب على غزة. صورة ترسمها الحقائق التي أنتجتها الحرب، والتي إن لم تكتمل حتى الآن فقد بدأت مقدماتها بالظهور. وخلاصتها أنّ إسرائيل تقترح على فلسطين دولة “ب”… فما هي هذه الدولة؟

لقد بدأ العالم بالاحتشاد المباشر على الأرض في غزّة وفلسطين:

– أمريكا الممول الرئيسي للحرب، والراعي لصيغة ما بعدها.

– وإسرائيل، التي ستحتفظ بما وصلت إليه قواتها على أرض غزة. مع بعض تعديلات من شأنها تعزيز السيطرة وليس الانتقاص منها.

– وأوروبا صاحبة الوجه الأخلاقي التي ترأف بالمدنيين وتحذر على لسان رئيس ديبلوماسيتها الموحدة بوريل، من خطورة استمرار الحرب. وتدعو إلى ولادة دولة فلسطينية اليوم قبل الغد.

– والدول العربية بعضها يواصل دور الوسيط نحو هدن متسلسلة تفضي إلى نهاية الحرب كما تأمل. والبعض الآخر يضغط بما لديه من أوراق لوضع خلاصة للمأساة بالإسراع في إقامة الدولة الفلسطينية. لأنها وحدها من يحتوي آثار الحرب. ومن مهماتها العاجلة:

– إعادة إعمار غزة.

– وتوفير استقرار للمنطقة.

وإيجاد مناخ للتطبيع المتعثر بين الدولة العبرية ودول وشعوب العرب.

من يدير مشروع إعمار غزّة؟

ولأنّ السياسات والمصائر تحددها القوى والمصالح… ولأن غزة وبضربة قدرية مفاجئة أضحت المفصل الرئيس لأجندات المتصارعين في الشرق الأوسط… فإن النتائج النهائية لحربها التي لم تحسم بعد، هي من يقرر صورة الخريطة الجديدة للمنطقة. من باب المندب إلى سواحل المتوسط في بلاد الشام.

فلسطين

حين تضع الحرب أوزارها سيتراجع فعل السلاح، ليزدهر فعل السياسة والاقتصاد والمال والإدارة. ولقد كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هو الأوضح والأكثر تحديداً. حين أشار إلى أن إعادة إعمار غزة يحتاج إلى تسعين مليار دولار. وفق دراسات الخبراء الذين كُلّفوا بذلك. ووفق النسبة والتناسب، فإن احتياجات إعمار غزة تفوق ما احتاجته أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية فيما سُمي بـ”مشروع مارشال”.

إسرائيل بدأت تُفصح عن رؤيتها لما بعد الحرب في فلسطين. وملخصها أن ما بين البحر والنهر دولة عبرية مسيطرة

وهنا لن تكون القضية محصورة في من يوفر هذا المبلغ الضوئي. بل ستنبثق القضية الأهم وهي: من يدير هذا المشروع الضخم على أرضه؟ وما هي الصيغة السياسية في فلسطين التي لا بد وأن تُوجد لتنفيذ هذا المشروع العملاق؟ وما هي الضمانات التي ينبغي توفرها كي لا ينهار المشروع في منتصف الطريق؟ وكي لا ينتج وضعاً أشد كارثية من كل ما مضى؟ وهل يستقيم هذا المشروع مع وجود سلاح غير منضبط للصيغة الجديدة؟ وتحت عنوان أي “دولة”؟

من مدريد وأوسلو… إلى اليوم

لقد مر العالم بتجربة مريرة في فلسطين مع تمويل عملية مدريد – أوسلو. وأنفق المليارات في تجربة كان الارتجال والغموض أبرز خصائصها. وذلك أدّى وهي في بداية الطريق إلى انهيارات بلغت ذروتها فيما نحن فيه الآن.

وللإفادة من فشل الماضي، فسوف يضع العالم قاعدة: “لا دولاراً واحداً يُنفق قبل التأكد من عدم وجود بندقية واحدة”.

ويُستثنى من ذلك، السلاح الذي تسمح به الصيغة الجديدة. أي المُسيطَر عليه كلياً وضمن مهماته المحددة. وباحتراز أدق بكثير من التعامل مع سلاح السلطة الفلسطينية الذي أفرز الانتفاضة الثانية.

المحتشدون الآن تحت عنوان الإغاثة الإنسانية لأهل فلسطين من عدوان إسرائيل، والذين سيتولون الانفاق الضخم على إعادة الإعمار، هم من يرسم صورة الأيام التالية

المحتشدون الآن تحت عنوان الإغاثة الإنسانية لأهل فلسطين من عدوان إسرائيل، والذين سيتولون الانفاق الضخم على إعادة الإعمار، هم من يرسم صورة الأيام التالية. ومدخلهم إلى ذلك ضمان السيطرة على حالة ما بعد الحرب إلى ما لا نهاية.

الثنائي الأمريكي الإسرائيلي ورغم التمايزات في المواقف إلا أن أمريكا جو بايدن أو دونالد ترمب، ستعطي الأولوية لإسرائيل في إجازة ما يُتفاهم عليه أو تعديله أو رفضه. فقد أعطتها أمريكا الأولوية في الحرب وبداهةً أن تعطيها الأولوية فيما بعدها.

دولة مصيرها الانهيار…

إسرائيل بدأت تُفصح عن رؤيتها لما بعد الحرب في فلسطين. وملخصها أن ما بين البحر والنهر دولة عبرية مسيطرة. وإلى جوارها دولة فلسطينية تحت السيطرة. من رفح إلى جنين إلى أريحا. وتُسمّى بالدولة “ب”. وهذه ليست وجهة نظر نتنياهو حتى يُقال إن الأمور تتغير إذا ما أٌقصي الرجل عن موقعه. بل هي الإجماع الوحيد في إسرائيل. مع بعض التمايزات الشكلية في خطابات الزعماء والتي لا تؤثر على قاعدة الإجماع.

إلى أيّ مدى يمكن أن تنجح هذه الترتيبات وأن تنهي الصراع في بؤرته الفلسطينية وامتداداته الإقليمية والدولية؟

إنني لا أرى فرصة لنجاح صيغة دولة كهذه بُنيت على أمر واقع أساسه خاطئ. وتقرر فيه إسرائيل ما تقبل وما لا تقبل. ومثلما فشلت تجربة مدريد – أوسلو، وها نحن نأكل ثمارها المرّة، فإن الفشل سيكون أكيداً. ما دام ستة عشر مليون من أهل فلسطين تُفرض عليهم صيغة دولة “ب”. كل شيء فيها مزور حتى لو سُميت “إمبراطورية”.

إقرأ أيضاً: نتنياهو يُخرج غانتس من مجلس الحرب… ويتحدّى بايدن

وإذا كان العالم المحتشد الآن حول غزة، والذي سيضع تصاميم مرحلة الأيام التالية، لا يضع في صُلب التصاميم دولة حقيقية للشعب الفلسطيني، فإن كل ما يُنفق وما يُعمل، لن يكون أكثر من هدنة طويلة أو قصيرة المدى. مصيرها الانهيار، كما انهار ما قبلها.

إقرأ أيضاً

وريقة صغيرة من نتنياهو إلى بايدن: إلزاميّ واختياريّان!

لم يتصرّف نتنياهو حيال الردّ الإيراني الصاروخي، كما لو أنّ ما حصل مجرّد تمثيلية، مثلما عمّم وروّج خصوم طهران. ولم يقتنع بأنّ حصيلة ليل السبت…

بعد غزة.. هل يبقى اعتدال؟

المذبحة المروّعة التي تُدار فصولها في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث التواطؤ الغربي شبه الكامل على منح إسرائيل كلّ التسهيلات…

لبنان ما زال في بوسطة عين الرمّانة!

مرّت ذكرى 13 نيسان. لا يزال شبح بوسطة عين الرمّانة مخيّماً على الحياة السياسيّة اللبنانيّة. ولا يزال اللبنانيون في خصام مع المنطق. لا يزال اللبنانيون…

لبنان بعد الردّ الإسرائيلي على إيران؟

لا يمكن الاستسهال في التعاطي مع الردّ الإيراني على استهداف القنصلية في دمشق. بمجرّد اتّخاذ قرار الردّ وتوجيه الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل، فإنّ ذلك يعني…