أمير الكويت ودول الخليج: اقتصاد بلا نفط.. ولا تطرّف

منذ تولّيه مقاليد الحكم قبل حوالي 3 أشهر. بعث أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد إشارات ورسائل عن رؤية جديدة لـتحوّلات كبيرة” مقبلة تبدأ من الداخل وتمتدّ إلى الخارج. انطلاقاً من دول مجلس التعاون الخليجي، وبعدها الدول العربية والإقليمية، خصوصاً المجاورة منها.

ولأنّالرؤيةتقوم في جوهرها علىاستعادة دورٍ” كان قد خَفَتَ في السنوات القليلة الماضية. فقد شكّلت الزيارات المتتالية للأمير إلى دول الخليج نقطة الانطلاق وبوّابة التحوّلات المقبلة على المستويَين السياسي والاقتصادي. بما يقود إلى عودة الكويت إلى عمقها الخليجي.

ترتكز “رؤية الكويت 2035” التي أطلقها أمير الكويت على بناء اقتصاد موازٍ للاقتصاد النفطي. وهي مهمّة غير سهلة ولا مسبوقة في بلد اعتمد منذ نشأته على مورد واحد هو النفط. لكن يبدو أنّ القرار اتُّخذ للّحاق بركب دول الخليج الأخرى التي قطعت أشواطاً في التخلّص من الاعتماد على النفط، كمورد رئيسي ووحيد.

يريد الأمير الانتقال بالكويت من حالٍ إلى حالٍ. ولذا جاء اختياره للشيخ محمد صباح السالم لقيادة الحكومة. فهو “الدكتور الاقتصادي” صاحب الرؤى والطروحات المتقدّمة لتنويع مصادر الدخل. وهو الدبلوماسي العريق الذي شغل منصب وزير الخارجية لحوالي 10 سنوات. ويتمتّع بعلاقات واسعة إقليمياً ودولياً، خصوصاً مع السعودية والولايات المتحدة. (راجع مقال “أساس” المنشور في 5 كانون الثاني الماضي بعنوان “الكويت: رئيس حكومة هارفرد خوفاً من مصير ناورو“).

إلى الاقتصاد، ظهرت في الآونة الأخيرة دلالات سياسية على مزيد من التماهي الكويتي مع دول الخليج في عدد من القضايا. مثل استئناف الحفلات والمهرجانات والمناسبات الوطنية، وعدم الرضوخ لمطالبات بعض التيارات المتشدّدة. ومنع الاستغلال السياسي لموضوع العدوان على غزّة من خلال وقف الاعتصامات. التي كانت تنظّم يومياً تقريباً في بداية العدوان، بعنوان مساندة الشعب الفلسطيني. وبمضمون هجومي على الدول العربية. خاصة تلك التي ترتبط بعلاقات مع إسرائيل.

منذ تولّيه مقاليد الحكم بعث أمير الكويت إشارات ورسائل عن رؤية جديدة لـ”تحوّلات كبيرة” مقبلة تبدأ من الداخل وتمتدّ إلى الخارج

الاقتصاد ثمّ الاقتصاد

بناءً على ذلك، جاءت “زيارات الدولة” التي قام بها الشيخ مشعل لدول الخليج، بتوجيهاتٍ من أمير الكويت. بدءاً من السعودية في 30 كانون الثاني الماضي، مروراً بسلطنة عُمان والبحرين وقطر، ووصولاً إلى الإمارات في 5 آذار الحالي.

ركّزت زيارته للسعودية على “توسيع آفاق التعاون والشراكة الاقتصادية، وتحقيق التكامل بين الفرص المتاحة في البلدين”.

وجرى الاتفاق على “زيادة التسهيلات التي تساهم في تمكين الاستثمارات السعودية في الكويت في عدد من القطاعات المستهدفة”. مع ترحيب السعودية بـ”قيام المستثمرين والشركات الكويتية بتوسيع أعمالهم في المملكة. والاستفادة من الفرص المتاحة في المشروعات العملاقة التي تشهدها جميع القطاعات. ضمن استعدادها لاستضافة الأحداث الكبرى في السنوات المقبلة”.

في زيارته لسلطنة عُمان في 6 و7 شباط الماضي، افتتح أمير الكويت مع السلطان هيثم بن طارق مصفاة الدقم. وهي تُعَدُّ “أكبر مشروعٍ استثماريٍّ بين دولتين خليجيّتين في قطاع المصافي والبتروكيماويات” بتكلفة وصلت إلى 9 مليارات دولار. وتسهم في زيادة الطاقة الإنتاجية للمصافي العمانية من 230 ألف برميل نفط يومياً إلى 500 ألف برميل يومياً. وتشمل الخطط المستقبلية إقامة مشروع بتروكيميائيات ملحق بالمصفاة، بالشراكة بين عُمان والكويت والسعودية.

كذلك جرى التركيز خلال زياراته للبحرين وقطر والإمارات، على العلاقات التجارية والاستثمارات الثنائية. وتمّ الاتفاق على “توسيع آفاق التعاون وتحقيق التكامل الخليجي”.

محاربة الغلوّ

كان لافتاً ما تضمّنته البيانات المشتركة خلال جولة أمير الكويت الشيخ مشعل على دول الخليج:

– البيان الكويتي – السعودي أكّد تعزيز التعاون في “محاربة التطرّف والغلوّ وخطاب الكراهية والإرهاب”. والعمل على “نشر ثقافة الاعتدال والتسامح، بما يُحقّق أمن واستقرار البلدين”.

– وَرَدَ ذلك أيضاً في البيان الكويتي – القطري لجهة ضرورة “محاربة التطرّف وخطاب الكراهية والإرهاب. ونشر ثقافة الاعتدال والتسامح بما يحقّق الأمن والاستقرار”.

ترتكز “رؤية الكويت 2035” التي أطلقها أمير الكويت على بناء اقتصاد موازٍ للاقتصاد النفطي

– في البيان الإماراتي – الكويتي، جرى أيضاً تأكيد “أهمّية مواجهة التطرّف بجميع أشكاله وصوره. ونبذ خطاب العنصرية والكراهية. وإعلاء قيم التسامح والحوار والتضامن الإنساني. ونشر ثقافة الاعتدال. بما يحقّق الأمن والاستقرار والازدهار لشعوب المنطقة والعالم”. مع “فتح قنوات التواصل لبناء جسور الشراكة والتعاون. وتعزيز قيم التضامن والتسامح والتعايش السلمي واستدامة النموّ والاستقرار والسلم العالمي للأجيال الحالية والمستقبلية”.

وفق رأي مراقبين، فإنّ هذه المواقف مهّدت لِما ستكون عليه الكويت في قادم الأيام. لا سيما في إعادة ضبط العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من خلال الانتخابات المقرّرة في 4 نيسان المقبل. بحيث يتمّ وضع حدود فاصلة لا يمكن للنواب تجاوزها. ومن ضمنها سطوة التيّارات الدينية المحافظة التي عملت في السنوات القليلة الماضية على فرض مظاهر متشدّدة، من الواضح أنّها لا تروق للقيادة الجديدة.

حقوق الكويت

خلال الزيارات إلى دول الخليج، نجحت الكويت في الحصول على مساندة خليجية شاملة في ملفّاتها العالقة مع العراق وإيران. مع تبنّي دول مجلس التعاون موقفاً موحّداً يدعو بغداد إلى “استكمال ترسيم الحدود البحرية مع الكويت إلى ما بعد العلامة 162. والالتزام باتفاقية خور عبدالله وكلّ الاتفاقيات والمعاهدات والقرارات الدولية ذات الصلة”. ويطالب طهران بـ”التفاوض حول الحدّ الشرقي للمنطقة المغمورة المقسومة مع الكويت والسعودية كطرف تفاوضي واحد”. مع التشديد على أنّ حقل الدرّة للغاز يقع بأكمله في المناطق البحريّة للكويت. وأنّ ملكية الثروات الطبيعية فيه هي ملكية مشتركة مع السعودية فقط، ولهما وحدهما كامل الحقوق لاستغلال الثروات الطبيعية في تلك المنطقة. ومع التأكيد على الرفض القاطع لأيّ ادّعاءات بوجود حقوق لأيّ طرف آخر في هذا الحقل أو المنطقة المغمورة المقسومة.

يعتقد كثيرون أنّ المرحلة المقبلة في الكويت ستكون نقيضاً لسابقاتها. وهو ما بدأت بوادره مع توجّهات الحكومة الجديدة

هذا الموقف. الذي تضمّنته البيانات المشتركة التي صدرت في ختام الزيارات. أثار غضب إيران التي اعتبرته “غير بنّاء”، وردّت بأنّها ستقوم بالحفر والاستكشاف في حقل الدرّة إذا قامت الكويت بذلك.

العرضةوالحزم

اتّسمت الزيارات الخمس إلى دول الخليج (السعودية والإمارات وعُمان وقطر والبحرين) بمظاهر احتفالية رسمية وشعبية، وحَرِصَ أمير الكويت خلال الاستقبالات على أداء “العرضة”. وهي رقصة شعبية تؤدّى في المناسبات الوطنية والمهرجانات والأعياد. وتعدّ أحد أبرز الفنون التي اقتصرت على أهل الجزيرة العربية. حيث يؤدّي قرع الطبول وإيقاعها إلى بثّ روح الحماسة، وخصوصاً لدى المقاتلين، سواء في الحروب أو عند تلقّي التهديدات التي تنذر بوقوع المعارك.

يعتقد كثيرون أنّ المرحلة المقبلة في الكويت ستكون نقيضاً لسابقاتها. وهو ما بدأت بوادره مع توجّهات الحكومة الجديدة التي تعاملت بحزم وحسم مع العديد من الملفّات. أبرزها ما يتعلّق بـ”الجنسية والحفاظ على الهويّة الوطنية” (وهو ملفّ يُعرف في الكويت بأنّه مرتبط بكشف التزوير في الجنسيّات). ومنع التظاهرات دون ترخيص حتى لو كانت ترفع شعار “نصرة غزّة”. والتعامل بلامبالاة مع انتقادات النواب (السابقين) والشخصيات السياسية. التي تعوّدت “ترهيب” الحكومة ووزرائها، برفع سقف التخاطب حيناً واستخدام الحسابات الوهمية المشبوهة في منصة “إكس” أحايين كثيرة.

إقرأ أيضاً: الحزب والكويت… تاريخٌ حافلٌ بـ”العَبَث بالخرائط”

إقرأ أيضاً

لبنان ما زال في بوسطة عين الرمّانة!

مرّت ذكرى 13 نيسان. لا يزال شبح بوسطة عين الرمّانة مخيّماً على الحياة السياسيّة اللبنانيّة. ولا يزال اللبنانيون في خصام مع المنطق. لا يزال اللبنانيون…

لبنان بعد الردّ الإسرائيلي على إيران؟

لا يمكن الاستسهال في التعاطي مع الردّ الإيراني على استهداف القنصلية في دمشق. بمجرّد اتّخاذ قرار الردّ وتوجيه الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل، فإنّ ذلك يعني…

“حصانة” إيران أم “الحصن” الإسرائيليّ؟

لماذا تعمّدت طهران ليلة السبت المنصرم الكشف عن كلّ تفاصيل خطة الهجوم الذي أعدّته ضدّ تل أبيب انتقاماً لاستهداف قنصليّتها في دمشق قبل أسبوعين والتسبّب بسقوط قيادات…

بايدن الرابح الأكبر من الضربة الإيرانيّة لإسرائيل

 ربح جو بايدن مزيداً من “المونة” على إسرائيل يمكّنه من لجم اندفاعها العسكري ضدّ إيران بعد توظيفه الدفاع عنها في المشهد الانتخابي. اكتسبت طهران موقع…