البرلمان العراقيّ: “الشيعة” ينقسمون على الرئيس “السنّي”

على الرغم من كلّ الجهود التي تبذلها القيادات الحزبية والسياسية في المكوّن السنّي العراقي، ما زالت أجواء الاختلاف هي المسيطرة. بعد فشل كلّ محاولات التقارب أو التوافق من أجل الوصول إلى نقطة وسط تساعد على إنهاء الفراغ في موقع رئاسة البرلمان العراقيّ. وهو الاستحقاق الأكبر والأبرز للمكوّن في العملية السياسية وتقاسم السلطات مع القوى والمكوّنات الأخرى الشيعية والكردية.

 

 

فشلت المحاولة الأولى واليتيمة لانتخاب رئيس البرلمان العراقيّ بديل عن الرئيس المقال محمد الحلبوسي. وذلك في 13 كانون الثاني 2024. فنقلت الصراع على هذا الموقع من صراع داخل المكوّن السنّي إلى صراع داخل المكوّن الشيعي أيضاً. وتحديداً داخل “الإطار التنسيقي الشيعي” الذي انقسم على نفسه. وذلك نتيجة ذهاب جزء من نواب “الإطار”، خاصة جماعة “تحالف نبني” بقيادة هادي العامري، إلى التصويت لشعلان الكريم، مرشّح الحلبوسي. فحصل الأخير على 152 صوتاً، أي ضعف أصوات المكوّن السنّي التي تبلغ نحو 74 صوتاً.

البرلمان العراقيّ

اعتراض نواب “دولة القانون” بقيادة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي على الأصوات التي حصل عليها الكريم على حساب مرشّحهم محمود المشهداني. ما فتح الباب لإحالته على المحكمة الاتحادية بتهمة الانتماء إلى حزب البعث. وهو ما أعاد خلط الأوراق وترك موقع رئاسة البرلمان العراقيّ خاضعاً للتجاذبات السياسية. مع الإشارة هنا إلى أنّ تيار الحكمة بقيادة عمّار الحكيم عارض من داخل “الإطار التنسيقي” ترشيح المشهداني من دون أن يكشف عن مرشّحه بشكل واضح.

“الشيعة” يريدون فرض الرئيس السنّي

نتيجة هذا التطوّر، لم يعد الصراع مقتصراً على قوى وأحزاب المكوّن السنّي داخل البرلمان العراقيّ. بل دخل المكوّن الشيعي، وتحديداً “الإطار التنسيقي”، بشكل واضح على خطّ هذه الأزمة. في محاولة منه ليكون صاحب الرأي الحاسم في اختيار الشخصية التي ستتولّى رئاسة السلطة التشريعية. خوفاً من تكرار تجربة الحلبوسي وطموحاته إلى أن يكون شريكاً فاعلاً ومقرّراً ومؤثّراً في الحياة السياسية وإدارة الدولة. عندما استغلّ ضعف أداء حكومة مصطفى الكاظمي ليفرض نفسه رقماً في معادلة السلطة على حساب الآخرين من المكوّن الذي يمثّله.

على الرغم من كلّ الجهود التي تبذلها القيادات الحزبية والسياسية في المكوّن السنّي العراقي. يبدو أنّ أجواء الاختلاف ما زالت هي المسيطرة

على الرغم من رأي الحكومة الاتحادية التي لم تعطِ رأياً حاسماً في الاستفتاء الذي قدّم لها حول إعادة فتح باب الترشيح لموقع رئاسة البرلمان. وهو مطلب يتوافق مع توجّهات الحلبوسي. ويفتح الباب أمامه لتقديم مرشّح جديد من حزبه لا تدور حوله أيّ علامات استفهام. ويضمن له الاستحواذ ويسمح له بالتفاهم حوله مع “الإطار التنسيقي”… إلا أنّ هناك جهوداً بذلتها أحزاب وقيادات المكوّن السنّي لرأب الصدع ومحاولة التوصّل إلى حلّ وسطيّ. في محاولة للاتفاق على مرشّح إجماع بينها يسمح بإنهاء الفراغ. لكنّها اصطدمت بتمسّك كلّ طرف بأحقّيّته في الاستحواذ على هذا الموقع. الأمر الذي عمّق الانقسام العمودي بين معسكرين أساسيَّين:

– الأوّل يضمّ أحزاب: “الحسم”، بقيادة وزير الدفاع ثابت العباسي. و”العزم” بقيادة مثنى السامرائي المتحالف مع “الإطار التنسيقي”. و”تحالف السيادة” بقيادة خميس الخنجر.

– والثاني حزب “تقدّم” بقيادة محمد الحلبوسي.

هذا الانقسام والخلاف العميق في البرلمان العراقيّ حالا دون وصول جهود تجميع البيت السنّي وتوحيد موقف المكوّن إلى نتيجة إيجابية. ففشلت الجهود التي قادها نجل زعيم تحالف “السيادة” سرمد خميس الخنجر لعقد اجتماع موسّع لممثّلي المكوّن بهدف البحث عن مخرج توافقي لأزمة انتخاب بديل للحلبوسي. وذلك عندما رفض حزب الحلبوسي ونوابه المشاركة في هذا اللقاء. الذي تحوّل لاحقاً إلى مدخل لتبادل التهم والتخوين والطعن بالظهر.

فشل تشكيل “الإطار التنسيقي السنّي”

إلا أنّ المحطّة الأبرز في إطار هذه الجهود كانت اللقاء الذي عقده أحمد الجبوري “أبو مازن” نائب محافظة صلاح الدين. فشل اللقاء في إيجاد أرضية للتفاهم والتقارب السنّي داخل البرلمان العراقيّ. خاصة بعد مقاطعة جماعة “تقدّم” – الحلبوسي. وذهب طموح المجتمعين إلى تشكيل “إطار تنيسقي سنّي” في مواجهة “الإطار التنسيقي” الشيعي أدراج الرياح. وتعمّق الخلاف بينهم واستمرّ كلّ طرف بالتمسّك بمواقفه ومطالبه.

فشلت المحاولة الأولى واليتيمة لانتخاب رئيس البرلمان العراقيّ بديل عن الرئيس المقال محمد الحلبوسي. وذلك في 13 كانون الثاني 2024

من المرجّح، أمام تعنّت كلّ فريق بمواجهة الآخر، استمرار الفراغ في رئاسة البرلمان حتى عام 2025 موعد الانتخابات المقبلة. وأن يبقى هذا الموقع يدار بالإنابة من قبل النائب الأوّل محسن المندلاوي. وأن يستمرّ الصراع داخل البيت السنّي حول طبيعة الاستحقاق: هل هو استحقاق للمكوّن؟ وبالتالي مشاركة جميع القوى والأحزاب في التوافق على اسم الرئيس الجديد؟ أم هو استحقاق حزبي، يتمسّك به الحلبوسي وحزبه “تقدّم”. وبالتالي فإنّ تسمية الرئيس الجديد تعتبر حقّاً حصرياً لهذا الحزب دون غيره. خاصة أنّه يمتلك منفرداً أكثرية المقاعد السنّية بواقع 39 مقعداً على الأقلّ. بدلاً من 43 مقعداً، بعد احتساب المنسحبين منه بعد أزمة إزاحة الحلبوسي؟

كلا الفريقين من البيت السنّي وتمسّكهما بمواقفهما. والخلاف بينهما على توصيف الأزمة بين استحقاق المكوّن واستحقاق الحزب، قد غابت عنهما أنّ “الإطار التنسيقي” الشيعي والدولة العميقة استقطبا من حساباتهما مبدأ استحقاق الكتلة الكبرى داخل المكوّن. وأنّ مصداقية هذه السياسة ظهرت بشكل واضح عندما لم تسمح هذه الدولة العميقة للكتلة الكبرى في المكوّن الكردي المتمثّلة بالحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني باختيار رئيس الجمهورية. في حين عرقلت كلّ جهود الصدر لتشكيل حكومة أغلبية. وذلك بعد حصوله على أكثر من نصف مقاعد المكوّن الشيعي في البرلمان العراقيّ. وفرضت على الفريقين، البارزاني والصدر، القبول بمبدأ التوافق في رئاستَي الجمهورية والحكومة. وهي تعمل لفرض هذا المبدأ في رئاسة البرلمان. في إطار رؤيتها التي تسعى إلى منع أيّ مكوّن من فرض شراكته أو الاستفراد بتمثيل أيّ مكوّن على حساب الآخرين. وهو ما يجعل الجميع بحاجة إلى عقد تحالفات معها لتحقيق أو الحصول على حصّته في الدولة والسلطة.

إقرأ أيضاً: نتائج الانتخابات الروسيّة معلّقة بانتظار الانتخابات الأميركيّة

إقرأ أيضاً

خطر: Non State actors

من الأخطاء الكبرى أن يعتقد البعض أنّ سياسات العالم اليوم تمرّ إدارتها عبر أجهزة وحكومات تنتمي إلى دول شرعية. خرج الأمر عن سيطرة الدول states،…

هنيّة على خطى رعد و”السيّد”… عن التحام الفكر والسلوك

اغتالت إسرائيل ثلاثةً من أبناء رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية وعدداً من أحفاده. حدث ذلك في أوّل أيام العيد. ماذا أرادت إسرائيل من…

لماذا نتنياهو عقبة في وجه التسوية؟

لن يتوقّف نتنياهو عن مواصلة تدمير غزة فوق رؤوس أهلها إلا بعد أن يتأكّد من أنّ قادة حماس أصبحوا أشلاء. لا يريد نتنياهو أسرى ليكونوا…

غزة وأهلها ضحيّة حرب إسرائيل وإيران!

تردّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران أو لا تردّ على الضربة التي تلقّتها من إسرائيل في سوريا، يوجد واقع لا يمكن الهرب منه على الرغم من…