بيت الوسط: صمت 14 آذار بعد صخب 14 شباط

كان يمكن للمرور الصامت لذكرى 14 آذار أن يكون عادياً لولا أنه يأتي بعد الصخب الذي رافق إحياء ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط الفائت.

ربما يكون الصمت في 14 آذار معبراً ليس فقط عما آلت إليه “الحريرية السياسية” بعد 19 عاماً على استشهاد الحريري. بل عن تحوّل الحياة السياسية من القطبية الثنائية بين 8 و14 آذار إلى حالة من التفتت السياسي بين الطوائف وداخل كل طائفة.

 

 

لعلّ الهدوء الذي يلفّ “بيت الوسط” اليوم يؤشّر إلى الانفصام بين عاطفة 14 شباط وواقع 14 آذار. فالأول بات تاريخاً وجدانياً يربط كثيراً من اللبنانيين برجلٍ حمل مشروعاً للتعليم والنهوض والإعمار. فيما الآخر تاريخ للفعل السياسي الذي أنهى الوصاية السورية وأسّس للتحالف الذي فاز باستحقاقين انتخابيين. وخاض المواجهة السياسية مع المحور الإيراني – السوري على مدى عقد من الزمان.

14 آذار

هذا المشروع هو الذي تشظى على مراحل. بدءاً بالمراجعة التي قام بها وليد جنبلاط بعد أحداث 7 أيار 2008. ثم تشكيل حكومة الثلث المعطل وذهاب الحريري إلى دمشق بعد انتخابات 2009. وليس انتهاء بانصراف “القوات اللبنانية” إلى الاهتمام بتصدّر الساحة المسيحية، ولو على حساب الشراكة في مشروع سياسي يتعدّى حدود الطائفة.

مآزق الجميع…

لا شكّ أنّ كلّ الأفرقاء يعيشون مأزقاً في مشاريعهم السياسية بعد القطبية الثنائية:

1- الأحزاب المسيحية: أخرجتها الثنائية القطبية من عزلتها. فصار لكلٍ من طرفيها الرئيسيين امتداد وظهير من الطوائف الإسلامية. وبدا لوقت طويل أنّها تستفيد من التنافس السنّي الشيعي لاستعادة بعض مكاسبها في النظام. ولا أدلّ على من ذلك من الطريقة التي أقرّ بها قانون الانتخابات الحالي الذي سمح للحزبين المسيحيين الرئيسيين بتكوين كتلتين كبيرتين تفوقان عدداً كتلتي الثنائي الشيعي.

كان يمكن للمرور الصامت لذكرى 14 آذار أن يكون عادياً لولا أنه يأتي بعد الصخب الذي رافق إحياء ذكرى 14 شباط الفائت

2- “حزب الله”: كان يطرح المقاومة كمشروع سياسي وطني له مضامينه السياسية. وقد اكتسب شيئاً من الامتداد العابر للطوائف لتلك المضامين حين أصبح ركيزة لمحور 8 آذار. لكن الحرب الدائرة في الجنوب هذه الأيام تبدو أقرب إلى “مقاومات” الثمانينات التي لم تكن في حاجة إلى صياغة لغة سياسية قابلة للانضواء في إطار دولة جامعة لكل المكونات. وهكذا تخلخلت لغة “تفاهم مار مخايل” بين الحزب والتيار الوطني الحر. وانحاز التيار إلى الأدبيات المسيحية في الثمانينات، التي تتحسّس من استخدام الساحة اللبنانية في الصراع العربي الإسرائيلي. ولا بدّ من تمييز دقيق بين هذه الأدبيات وأدبيات “14 آذار” التي كانت تقوم في الأساس على حصرية السلاح بيد الدولة.

3- “تيار المستقبل”: تحوّل من موقعه المحوري في تحالفٍ يحمل مشروعاً سيادياً له تصوّره لسلطة الدولة وعلاقاتها الخارجية، إلى تيار محصور في مساحته الديمغرافية والمناطقية، وله مشاكله مع الشركاء السابقين في “14 آذار” أكثر بكثير من مشاكله مع الخصوم الآخرين.

الحريري يرمي المسؤولية عنه

لكن إذا كان “حزب الله” و”تيار المستقبل” قطبي الرحى في الحياة السياسية على مدى العقد الذي أعقب اغتيال الحريري… فإنّ الحزب ما زال قائماً على ترسانة سلاحه، ويقود محوره ويدير الاختلافات بين حلفائه. فيما انتهت قيادة “تيار المستقبل” لتحالف 14 آذار واضمحّل موقعها في الحياة السياسية.

الحزب ما زال قائماً على ترسانة سلاحه، ويقود محوره ويدير الاختلافات بين حلفائه. فيما انتهت قيادة “تيار المستقبل” لتحالف 14 آذار

في أيام إقامته القليلة في لبنان الشهر الماضي. وجّه زعيم تيار المستقبل الرئيس سعد الحريري رسائل صريحة بالرغبة في العودة إلى النشاط السياسي. وألقى باللائمة في فشل تجربته على عوامل خارجية وداخلية. وصف الحياة السياسية في غيابه بمرحلة “جنون سياسي”. وقدّم نفسه على أنّه وحده من فاوض وصنع التسويات. وصوّر الحال كما لو أنه هو من منع الفتنة، أو كأنّ طائفته كانت ستضيع (كما ضاعت في سوريا) لولا أنّه ربط النزاع مع “حزب الله”. وفي خطابه تلك النزعة الدائمة إلى تصوير الطائفة وكأنها في حالة من اليتم بعد رحيله.

غير أن انتهاء الحريرية السياسية إلى ما انتهت إليه لم يكن وليد قصور لدى جمهور في فهم “الحكمة” في خطواته، ولا النكران لـ “تضحياته”. بل إنّها تجربة لها ما لها وعليها ما عليها. وقائمة “ما عليها” طويلة. ليس أقلّ ما فيها نمط التعاطي مع شركاء التسوية الرئاسية بعد العام 2016، والذي أنتج قانون الانتخابات السيئ الذكر الذي أجريت على أساسه انتخابات 2018 و2022. وأرسى معادلة جديدة في البلاد، ليس طائفته في متنها.

إقرأ أيضاً: الحريري والرهان على التسوية وسط حزام النّار

لا يمكن أن تُعزى الأنوار المطفأة في “بيت الوسط” في 14 آذار إلى أن صاحب البيت “أخذ الأمور بصدره” وتحمّل وحده. بل لعل ذلك يؤشر إلى أنّ كلّ ما قيل عن عودة الحريري إلى الفاعلية السياسية قبل 14 شباط وبعده كانت مبنيّة على الكثير من المبالغات والأمنيات وقليل من الوقائع.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@OAlladan

إقرأ أيضاً

بعد غزة.. هل يبقى اعتدال؟

المذبحة المروّعة التي تُدار فصولها في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث التواطؤ الغربي شبه الكامل على منح إسرائيل كلّ التسهيلات…

لبنان ما زال في بوسطة عين الرمّانة!

مرّت ذكرى 13 نيسان. لا يزال شبح بوسطة عين الرمّانة مخيّماً على الحياة السياسيّة اللبنانيّة. ولا يزال اللبنانيون في خصام مع المنطق. لا يزال اللبنانيون…

لبنان بعد الردّ الإسرائيلي على إيران؟

لا يمكن الاستسهال في التعاطي مع الردّ الإيراني على استهداف القنصلية في دمشق. بمجرّد اتّخاذ قرار الردّ وتوجيه الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل، فإنّ ذلك يعني…

“حصانة” إيران أم “الحصن” الإسرائيليّ؟

لماذا تعمّدت طهران ليلة السبت المنصرم الكشف عن كلّ تفاصيل خطة الهجوم الذي أعدّته ضدّ تل أبيب انتقاماً لاستهداف قنصليّتها في دمشق قبل أسبوعين والتسبّب بسقوط قيادات…