غزّة تُنهي “خلافة” رجب طيب إردوغان

شاعت أسطورة في السنوات الأخيرة، وسط أنصار الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بين العرب خاصة، أنّ تركيا سائرة نحو استعادة موقعها كخلافة إسلامية. وأنّ معاهدة لوزان لعام 1924 ستنتهي آثارها تلقائياً بمرور قرن على عقدها. فلا تحقّقت الأمنية عند الاستحقاق، وتولّت غزة إنهاء “الخلافة” الموهومة.

في 3 آذار الحالي، مرّت بهدوء لافت، الذكرى المئوية لإلغاء الخلافة العثمانية. مع إحباط عميق يحيق بأنصار رجب طيب إردوغان الذين ظلّوا يبشّرون على مدى السنوات المنصرمة بالانبعاث الوشيك لدولة الخلافة العثمانية بقيادة إردوغان. التي كان من المفترض أن تستعيد كلّ البلدان العربية التي خضعت لإسطنبول على مدى أربعة قرون. قبل هزيمتها الماحقة خلال الحرب العالمية الأولى. واحتلال الحلفاء لعاصمة الإمبراطورية العثمانية وأجزاء كبيرة ممّا أصبح لاحقاً الجمهورية التركية.

كان على أتاتورك آنذاك أن يجمع فلول الجيش العثماني كي يحرّر تركيا من الاحتلال المتعدّد الجنسيات. وفي نهاية حرب الاستقلال، مُزّقت معاهدة سيفر Traité de Sèvres لعام 1920م. وانعقدت معاهدة لوزان Traité de Lausanne في 22 تموز 1923م. فوُلدت الجمهورية العلمانية على أنقاض الخلافة الإسلامية.

ضاع الحلم الموعود، في صخب الغبار الذي أثاره طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول الماضي، وخمدت الأصوات. لكن ما ألقى الملح على الجرح الأيديولوجي النازف، هو الموقف الصادم لرجب طيب إردوغان من مأساة غزة. بخلاف المواقف السابقة التي بنى عليها إردوغان أسطورته في العالم الإسلامي.

في مؤتمر دافوس عام 2009، وقعت مشادّة بينه وبين الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز. وفيها قال إردوغان: “إسرائيل تعرف كيف تقتل الأطفال”، وكانت غزة قد خرجت لتوّها من جولة قتالية مع الجيش الإسرائيلي. قال إردوغان كلمته وانسحب من المنتدى. وفي العام التالي، اقتحمت قوة خاصة إسرائيلية سفينة مرمرة التركية من ضمن أسطول الحرّية الذي يُبحر بالناشطين من أجل خرق الحصار المضروب على غزة. سقط ضحايا أتراك في العملية المذكورة، وتدهورت العلاقات بين تركيا وإسرائيل، وقاد إردوغان حملة إعلامية ودبلوماسية قويّة.

ضاع الحلم الموعود، في صخب الغبار الذي أثاره طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول الماضي، وخمدت الأصوات

أمّا في حرب الإبادة الشاملة التي تتعرّض لها غزة الآن، فلا تجد إلا تصريحات متواضعة من إردوغان. كأنّه ناشط مدني في مجال حقوق الإنسان ممّن تؤلمه المشاهد ولا يستطيع فعل شيء سوى الندب والاستنكار، والمطالبة بمحاكمة المعتدي. لكن ما معنى الخلافة؟ ولماذا كان بعض العرب ينتظر عودة محمد الفاتح (توفّي عام 1481م) أو سليم الأوّل (توفّي عام 1520م)؟ الأول احتلّ عاصمة الإمبراطورية البيزنطية (القسطنطينية) مرسّخاً المدّ التوسّعي داخل أوروبا، والثاني سيطر على العالم العربي بعدما انتصر على مماليك مصر.

رجب طيب إردوغان

رجب طيب إردوغان لقب الخلافة

في عُرف الفقهاء والمحدّثين، يُطلق لقب الخليفة على من يمتدّ نفوذه على عالم الإسلام كلّه. لذلك، كانوا يعتبرون أنّ العباسيين حملوا هذا اللقب مجازاً وليس حقيقة، لأنّهم لم يرثوا كلّ التركة الأموية.

في مرحلة الضعف الذي اعترى بغداد في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، انفصل السلطان الحقيقي عن الخلافة المعنوية. فأصبح خليفة بغداد، مجرّد سلطة معنوية أحياناً كثيرة، وفي بعض الأحيان، حاكم العراق فقط. ومع سقوط بغداد عام 1258م بيد المغول، وقتل آخر خليفة عباسي، وهو المستعصم بالله، لجأ بقايا العباسيين إلى مصر، فحكم المماليك مصر والشام، بتزكية من الخليفة الذي لا حول له ولا قوّة. فلمّا انتصر سليم الأوّل على المماليك في معركة مرج دابق عام 1516م، اصطحب معه آخر خليفة عباسي ومعه أعيان القاهرة، إلى إسطنبول. فقيل إنّه حصل على تنازل عن الخلافة له، وقيل لم يحصل شيء من هذا. لكنّ الأكيد أنّ السلطان سليم “اعتقل” الخلافة، ووضعها في صندوق تذكاراته. وعلى مدى القرون، كان السلاطين العثمانيون الأقوياء لا يذكرونها، مكتفين بما لديهم من ألقاب فخمة. لا سيما اللقب المحبّب لديهم، وهو “الغازي”، فالسلطان الذي لا يغزو، يعاني من عقدة نقص.

في 3 آذار الحالي، مرّت بهدوء لافت، الذكرى المئوية لإلغاء الخلافة العثمانية. مع إحباط عميق يحيق بأنصار رجب طيب إردوغان

مع الضعف التدريجي الذي طرأ على السلطنة ابتداء من نهاية القرن السادس عشر الميلادي. وانتقالها من الهجوم إلى الدفاع. لا سيما مع ظهور الدول القومية في أوروبا. واختلال موازين القوى العسكرية والحضارية عامة. وبروز الخطر الروسي على إسطنبول وممتلكاتها. وفرض إصلاحات عسكرية وسياسية وقانونية على العثمانيين في الربع الأول من القرن التاسع عشر الميلادي. كي تصبح الدولة العثمانية أقرب إلى الدولة القومية الأوروبية. لجأ آخر سلاطينها الأقوياء عبد الحميد الثاني (توفّي عام 1918م) إلى استدعاء مصطلح الخلافة لاستجلاب دعم المسلمين خارج الأراضي العثمانية. فلقي الاستجابة العريضة من مسلمي الهند الواقعين آنذاك تحت الاحتلال البريطاني. وكانت الهند درّة التاج البريطاني. وعليه، تأسّست حركة الخلافة في الهند (1919م – 1924م). وكانت تضمّ النخبة الفكرية والسياسية للمسلمين هناك. وساهمت الحركة بتقديم العون المالي لإسطنبول خلال الحرب العالمية الأولى.

صعود الفكر القوميّ

نشأت مجموعة ثورية تركية عام 1889م داخل المدرسة الطبّية العسكرية الإمبراطورية في إستانبول، وهدفها خلع السلطان عبد الحميد الثاني. المحرّك الأساسي لتشكيل حركة تركيا الفتاة، هو ألباني يُدعى إبراهيم تيمو أو أدهم كما كان يُعرف به أحياناً. تشكّلت الحركة تأثّراً بجمعية إيطالية سرّية تدعى كاربوناري Carbonari، وقد تأسّست في مطلع القرن العشرين.. بدا تأثير كاربوناري واضحاً في لجنة تركيا الفتاة الأولى، التي سُمّيت “الترقّي والاتّحاد”Terakki ve İttihat) )، قبل أن يتغيّر اسمها لاحقاً ليصبح الاتحاد والترقّي (İttihat ve Terakki)، وهو الاسم الذي اشتهرت به. راجع كتاب الأتراك الشبّان ((Ernest Ramsaur, The Young Turks.

أضحت لجنة الاتحاد والترقّي، وهي ثمرة لحركة تركيا الفتاة، القوّة الحاكمة الرئيسية في الإمبراطورية العثمانية بين عامَي 1908 و1918 باستثناء فاصل قصير. بل إنّ مؤسّسي تركيا الحديثة، بما في ذلك الرؤساء الثلاثة الأوائل، الذين تولّوا الحكم من عام 1923 إلى عام 1960م، هم أعضاء سابقون في اللجنة.

في عُرف الفقهاء والمحدّثين، يُطلق لقب الخليفة على من يمتدّ نفوذه على عالم الإسلام كلّه

لذا، فإنّ النزعة العلمانية في الجمهورية التركية الحالية، لم تأتِ بغتة، بل لها جذور في الإصلاحات التي بدأت جدّياً في القرن التاسع عشر الميلادي. وحاول سلاطين متغرّبون القضاء على النظام العثماني القديم، فكان الانكشاريون، الجيش التقليدي الموروث، العقبة الرئيسية أمام الإصلاحات. ولقي عدّة سلاطين مصرعهم ومعهم بعض الوزراء. واختير عبد الحميد الثاني خلفاً لوالده عبد العزيز عام 1876 بشرط القبول بالدستور، وهو الأمر الذي قاومه بشدّة حتى الانقلاب عليه عام 1909م.

إلغاء السلطنة والخلافة

سقطت الدولة العثمانية عسكرياً خلال الحرب العالمية الأولى. لكنّ مصطفى كمال أتاتورك (توفّي عام 1938م) تمكّن من تعديل بنود الصلح مع الحلفاء إثر انتصاراته العسكرية المتتالية، على اليونانيين والأرمن والفرنسيين، من خلال معاهدة لوزان. بالمقابل، مضى أتاتورك في إنهاء الدولة العثمانية، بطريقة الصدمات المتتالية. فقد قرّر المجلس الوطني التركي الكبير إعلان الجمهورية عام 1923م، وإلغاء مقام الخاقانية (السلطنة). ثمّ ألغى الخلافة في جلسة 3 آذار عام 1924م، مرفقاً ذلك بقرار إخراج العائلة العثمانية من البلاد، ونزع الجنسية التركية عنهم، وتصفية أملاكهم. وأُلغيت في الجلسة نفسها، وزارتا الشرعية والأوقاف، والمدارس الدينية.

إقرأ أيضاً: هل انتهت المقاومة في غزّة؟

في جلسة 8 نيسان من العام نفسه، أصدر المجلس قانوناً بتشكيلات المحاكم، فأُلغيت بموجبه المحاكم الشرعية، وعُهد بمهامّها لمحاكم الصلح والمحاكم الأصلية (المركزية)، وأصبح القضاء موحّداً. وخضعت الأوقاف لمجلس إدارة عامّ مؤلّف من حقوقيين. وما زالت هذه القرارات سارية المفعول بعد مرور قرن كامل، والأتراك منقسمون بين علمانيين ومتديّنين، وتركيا عضو أساسي في الحلف الأطلسي. فهل كان رجب طيب إردوغان يؤدّي ضمناً دور عبد الحميد الثاني. لكن بمسار تاريخي مختلف. حيث تبرز تركيا قوّة إقليمية مؤثّرة. لكن ضمن لعبة الأمم. التي ما زالت قواعدها منضبطة حتى الآن؟

ما يمكن قوله أخيراً، أنّ متغيّرات غزة، ستبدّل الخطاب السياسي الآتي بعد الحرب، مهما تكن النتائج الميدانية، لا سيما في أنقرة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@HishamAlaywan64

إقرأ أيضاً

ساعات الخيارات الصّعبة

“غد بظهر الغيب واليوم لي   وكم يخيب الظنّ بالمقبل” (عمر الخيّام) بالبداية، ليس لواحد مثلي مرتبط بشكل لصيق بقضية فلسطين ومبدأ مواجهة الاستعمار ومكافحة الظلم…

أين العرب في اللحظة الإقليميّة المصيريّة؟

الوضع العربي مأزوم. العرب في عين العاصفة. لا يحتاج الأمر إلى دلائل وإثباتات. سوريا كانت لاعباً إقليمياً يُحسب له ألف حساب، صارت ملعباً تتناتش أرضه…

ضربة إسرائيل في أصفهان وصفعة الفيتو في نيويورك

هل نجحت أميركا بـ”ترتيب” الردّ الإسرائيلي على طهران كما فعلت في ردّ الأخيرة على قصف قنصليّتها في دمشق؟ هل نجحت في تجنّب اتّساع المواجهة بين…

غزة: العودة من الركام إلى الركام

احتلّت الحرب على غزة منذ انطلاق شراراتها الأولى في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلى أيّامنا هذه، أوسع مساحة في المعالجات الإعلامية المرئية والمقروءة…