الجامعة الوطنيّة: فتنة سنّيّة وحرمان طرابلس وعلويّيها

تلعب الجامعة الوطنية في أيّ بلد دوراً بارزاً في عملية تشكيل الوعي وتكوين الهويّة، وتعدّ مركز صناعة النخب وتعزيز القيم الوطنية والمجتمعية. وكلّما نحَتْ الجامعة نحو “العصبيّة” في سياساتها وقراراتها، تعزّزت أكثر الهويّات “ما دون الوطنية”، ولا سيما عند النخب الصاعدة، التي من المفترض أن يخرج منها قادة الدولة وصنّاع سياساتها في المستقبل. والحال أنّه من جملة ما تعانيه جامعتنا الوطنية من أزمات يبرز طغيان الشخصانية والنفعية والفئوية في إدارتها التي يشبّهها بعض الجامعيين بـ”البلاط الملكي”.

فتنة سنّيّة بأيدٍ ميقاتيّة

أصدر رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور بسام بدران في 2 شباط الجاري، قراراً بعزل عميدة كلية الآداب بالتكليف الدكتورة هبة شندب. في الشكل، راعى القرار الموازين الطائفية والمذهبية والمناطقية، بعدما عيّن مكانها الدكتورة سهى الصمد، من الطائفة نفسها، لا بل من المنطقة نفسها، وهي قضاء الضنّية، وذات الاختصاص نفسه وهو الأدب الإنكليزي، وفوق ذلك هما صديقتان.

أمّا في المضمون فإنّ القرار حمل بذور فتنة سنّية “بينيّة” بدأت معالمها تظهر سريعاً. ذلك أنّ موجة الاعتراض السنّي النسبية على إقالة شندب أصابت من غير قصد الدكتورة سهى الصمد، بحيث بدا وكأنّ ثمّة تشكيكاً في استحقاقها لهذا المنصب، وهذا غير صحيح. فالصمد كانت من أبرز المرشّحين للمنصب مع شندب في شباط 2022، بعد بلوغ عميد كلية الآداب السابق أحمد رباح سنّ التقاعد، بما يعكس مدى جدارتها واستحقاقها، بالإضافة إلى ما تتميّز به من أخلاق رفيعة. لكنّ رئيس الحكومة وقتها ارتأى اختيار الثانية، فجرى تصنيفها من ضمن جماعته، وهي ليست كذلك. فهل كان ميقاتي ليخيط مع رئيس الجامعة بسام بدران قراراً بإقالتها لو كانت حقّاً من جماعته؟

تلعب الجامعة الوطنية في أيّ بلد دوراً بارزاً في عملية تشكيل الوعي وتكوين الهويّة، وتعدّ مركز صناعة النخب وتعزيز القيم الوطنية والمجتمعية

الموجة الاعتراضية التي بلغت أعتاب دار الفتوى في طرابلس والشمال ليست موجّهة ضدّ شخص معيّن أو للدفاع عن شخص معيّن، بقدر ما هدفها الوقوف في وجه استسهال “خلع” السنّة من مناصبهم لأسباب غير مهنيّة، يختلط فيها النكد والكيدية بالشخصانية. وما تعرّضت له شندب قد تتعرّض له الصمد وغيرها إذا ما جرى السكوت عن الموضوع. من هذا المنطلق، زار وفد من المجلس الإسلامي الشرعي في طرابلس والشمال السراي الحكومي، وأبلغ الرئيس ميقاتي استياء الشارع السنّيّ من النهج الإقصائي الذي يمارَس في الجامعة اللبنانية. إلا أنّ المكتب الإعلامي لرئيس الحكومة نشر خبراً مقتضباً عن الزيارة وضعها في خانة “الزيارة البروتوكولية”! بما يثبت بصمته في القرار والمفاعيل الناجمة عنه.

أسباب شخصيّة

حسب أكثر من مصدر جامعي، “لا يوجد أيّ مبرّر أو سبب مهنيّ لإقالة شندب”. وأكّدت مصادر داخل الجامعة اللبنانية لـ”أساس” أنّ سبب الإقالة “شخصيّ” بعدما “امتنعت شندب عن تكليف الدكتورة مهى جرجور، منسّقة اللغة العربية في عمادة كلية الآداب، والمنسّقة العامّة في مكتب تدريس اللغات بالجامعة اللبنانية، بعضوية إحدى اللجان، نظراً لأنّها عضو في العديد من اللجان الجامعية، وهو أمر يخالف القوانين”. فما كان من الأخيرة، حسب المصادر نفسها، إلا أن “توعّدت شندب بإقالتها من منصبها، وهو ما حصل بعد فترة وجيزة، بفضل قرب جرجور من البلاط الملكي”.

الجامعة اللبنانية

يضاف إلى ذلك أنّ العميد الأسبق المتقاعد أحمد رباح، وهو مستشار رئيس الجامعة، “لا يزال يحاول ممارسة سلطانه على مقامه القديم، وهو ما حتّم اصطدامه بمن خلفه فيه، أي شندب”. وعلى الرغم من أنّ الأخيرة أقامت له احتفالاً تكريمياً عقب تسلّمها مهامّها، إلا أنّ رباح الذي نقل بارودته السياسية من “التثقيف السياسي” في تيار المستقبل إلى التقرّب من حركة أمل، أراد التخلّص من شندب، وتعيين الصمد، ولا سيما أنّ الأخيرة اشترطت أن تداوم يوماً واحداً فقط في بيروت، و”هذا ما يناسبه تماماً كي يدير كلية الآداب”، حسب مصادر من داخل الجامعة.

ثمّة رواية متداولة في الأوساط الجامعية الشمالية عن سبب آخر مختلف ذي طابع سياسي

إلى ذلك، ثمّة رواية متداولة في الأوساط الجامعية الشمالية عن سبب آخر مختلف ذي طابع سياسي، وهو زيارة شندب على رأس وفد أكاديمي، في 24 كانون الثاني، السفير السعودي وليد البخاري، ولا سيما أنّ شندب نفسها أكّدت في اتصال مع موقع “التحرّي نيوز” أنّ هذا السبب هو من ضمن مجموعة عوامل أدّت إلى قرار عزلها، إضافة إلى صدور قرار الإقالة بعد أسبوع من الزيارة. بيد أنّ مصادر جامعية تنفي ذلك، وتؤكّد لـ”أساس” أنّ ترويج موضوع الزيارة هو لمنح القرار صبغة سياسية تحرف الأنظار عن الأسباب الداخلية.

حرمان طرابلس والعلويّين

من جانب آخر، يتفاعل اختيار مدير جديد لـ”كلية الآداب والعلوم الإنسانية – الفرع الثالث”، أي طرابلس، مرخياً بظلاله السلبية على الطائفة العلوية، وعاصمة الشمال في الوقت عينه. حسب القانون، ينتخب رؤساء الأقسام والمسؤولون في كلّ كلّية 5 أشخاص، ترسَل أسماؤهم إلى “مجلس الوحدة” الذي يضمّ مديري الكلّيات في كلّ الفروع، ليختار 3 أسماء من بينهم، ويرفعهم إلى رئيس الجامعة من أجل تعيين واحد منهم مديراً للكلّية. الأسماء الثلاثة هي جنين الشعّار (مارونية)، وديما حمدان (علويّة)، وحسام سباط (سنّي). وبما أنّ حصّة السنّة من المديرين اكتملت، ولم يعد متاحاً لهم الحصول على أيّ مقعد آخر، فإنّ التسمية محصورة بين الشعّار وحمدان.

في السابق، كان للطائفة العلوية موقع واحد ضمن مديري الكلّيات، وهو مدير كلّية الفنون. ثمّ حُرمت منه ومن كلّ المواقع الإدارية في الجامعة فيما بعد، استكمالاً لنهج الإقصاء المتّبع بحقّها في الهياكل الإدارية للدولة ومؤسّساتها. لذا تعوّل النخب العلوية على اختيار ديما حمدان، لما تتمتّع به من مؤهّلات أكاديمية وكفاءة مهنية، بما يعيد للطائفة موقعاً خسرته بفعل تجاهل بعض القوى السياسية “الحليفة” ومن “ذوي القربى”، التي لطالما سعت إلى الحصول على أصوات العلويين، واستخدام شبابهم في معارك سياسية وغير سياسية.

بيد أنّ رئيس تيار المردة الوزير الأسبق سليمان فرنجية يصرّ على تعيين الشعّار، ويبدي تصلّباً كبيراً في ذلك، ويضغط على رئيس الجامعة اللبنانية بسام بدران لاستصدار قرار بتعيينها.

أكّدت مصادر داخل الجامعة اللبنانية لـ”أساس” أنّ سبب الإقالة “شخصيّ”

إلا أنّ الأخير تريّث بعض الشيء، بعدما وصله كتاب من أساتذة الكلّية نفسها، يطالبه بإنصاف أساتذة طرابلس، وعدم تعيين الشعار بسبب “تعصّبها الطائفي” الذي سبق أن أثار إشكالات عديدة، مقابل تعيين حمدان “الوسطية” لتنفيس الاحتقان في الكلّية، ولِما تتمتّع به من علاقات جيّدة مع كلّ الأطراف (مرفق ربطاً نسخة من الكتاب). هكذا غدا تعيين حمدان مطلباً طرابلسياً أيضاً، خصوصاً بعدما جرى إرسال نسخة من الكتاب إلى نائبَي المدينة فيصل كرامي وطه ناجي.

تسوية غير قانونية

اللافت هو أنّ حمدان ترشّحت على لائحة مدعومة من المردة، فيما الشعّار نفسها ليست من المردة. مع ذلك، لا يزال فرنجية مصرّاً على تعيين الشعار، متجاهلاً كلّ المراجعات التي قام بها عدد من الشخصيات العلوية والطرابلسية. وتبدي النخب العلوية عتبها على فرنجية الذي لطالما اعتبروه ممثّلهم السياسي، وصوّتوا له ولمرشّحيه في كلّ استحقاق انتخابي، لكنّه اليوم يصرّ على حرمانهم من هذا الموقع الإداري اليتيم.

وعلم “أساس” أنّ بدران في صدد ارتكاب “بدعة تسوويّة”، يرضخ فيها لإرادة المردة بتعيين الشعّار مديرة للآداب، على أنْ يمنح الطائفة العلوية كليّة الهندسة بتعيين فادي تيشوري مديراً لها. ولأنّ الأخير فشل في دخول “لائحة الخمسة”، فإنّ بدران يخطّط لإعادة الانتخابات في الهندسة وحدها، وتمرير تيشوري عبر نفوذه، ممّا يشكل مخالفة قانونية وإداريّة وأكاديميّة.

إقرأ أيضاً: من يراقب خُطب الجمعة التحريضيّة… التي صنعت الموت طويلاً؟

في نفس الوقت، فإنّ هذا الحل لا يُرضي النخب الطرابلسيّة العلويّة والسنيّة، التي كانت شريحة واسعة منها ومن عامّتها تعوّل على انتخابه رئيساً للجمهورية، كي يعيد “العاصمة الثانية” إلى جدول اهتمامات الدولة، والتخفيف من الضنك والحرمان والتهميش التي تعاني منها. ولا أساتذة كليّة الآداب أيضاً، الذين عبّروا عن تخوفهم من عودة ممارسات طائفية ومناطقية كانت سائدة في عهود سابقة، حيث كان يتمّ حرمان أبناء طرابلس من ساعات التعاقد، مقابل منحها لأبناء طائفة معيّنة، من خارج طرابلس، حتى قبل تخرّجهم.

إقرأ أيضاً

نامَت بيروت على حرب واستفاقت على Hiking العاقورة!

أتت استجابة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي للزلزال العسكري الذي ضرب خطّ طهران-تل أبيب متأخّرة بالدعوة إلى عقد جلسة طارئة اليوم لمجلس الوزراء تحوّلت مساءً إلى…

الخبير العسكري خليل الحلو: الحرب الواسعة مازالت ممكنة

بعد أيام عاشها العالم متأهّباً في انتظار إيران، ردّت على الضربة الإسرائيلية لقنصليّتها في سوريا، التي ذهب ضحيّتها قادة في الحرس الثوري. مئات المسيّرات والصواريخ…

الحزب قَلِقٌ.. ويعتبر “حرب الإعلام” بخطورة “حرب الأمن”

في موازاة الحرب العسكرية التي تخاض في قطاع غزة وعلى الجبهات اللبنانية والعراقية والسوريّة واليمنيّة. والتي قد تنضمّ إليها إيران لاحقاً… هناك حروب أخرى تخاض…

انقلاب “الإخوان المسلمين” على إردوغان

تكشف مصادر مقرّبة من “الإخوان المسلمين” في بيروت لـ”أساس” أنّ شريحة من “الإخوان المسلمين” دعمت في الانتخابات البلدية التركية الأخيرة حزب السعادة التركي المحافظ، والمعارض…