الحرب الروسيّة الأوكرانيّة (1): سنتان هزّتا العالم

مسكوناً بهاجس الأمن والتاريخ واستعادة الأمجاد الإمبراطوريّة لروسيا، دفع قبل سنتين تماماً، الرئيس فلاديمير بوتين بجيشه الجرّار، نحو كييف وخاركوف والأجزاء الشمالية والشرقية والجنوبية لأوكرانيا، آملا أن يعيد لموسكو بعض ما خسرته من نفوذ إقليمي ودولي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

لم يحتمل الضابط السابق في جهاز الاستخبارات السوفياتي الـ”كي جي بي“، أن يرى الجمهوريات السابقة في الاتحاد السوفيتي تتمرّد على موسكو وتخرج من عباءتها. عاقب الشيشان بقسوة عندما تطلّعت إلى الاستقلال، وجرّد جورجيا من أوسيتيا وأبخازيا بعد ثورتها المخمليّة، وفعل الأمر نفسه مع مولدافا بسحب ترانسنيستريا من خريطتها ووحدة أراضيها عندما انحرفت عن موسكو، وسلخ أجزاء واسعة من مقاطعتَي دونيتسك ولوغانسك عندما تطلّعت كييف صوب الغرب، وكان عقابها أكبر بإعادة ضمّ شبه الجزيرة القرم إلى روسيا عندما أصرّت أوكرانيا على تطلّعاتها الأوروبية. بلغ غضبه الذروة عندما طلبت سلطات كييف الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو“.

اعتبر الأمر تهديداً خطيراً للأمن القومي الروسي واختراقاً غربياً في الفضاء الروسي من شأنه أن يهدّد المصالح الجوهرية لروسيا بما في ذلك استقرار الدولة والنظام، ولم يرَ في هذا التطوّر كارثة جيوستراتيجيّة فحسب، بل وتهديداً معيارياً لسلطته ونفياً للهويّة التاريخية لروسيا.

يجادل بوتين معتبراً أنّ قضيّته عادلة في طلب الأمن لبلده وألّا يتمركز حلف “الناتو” في حديقته الخلفية وألّا تُنصب الصواريخ المتطوّرة في عقر داره وألّا تسعى أوكرانيا إلى امتلاك أسلحة نووية بخبرة متوارثة من الاتحاد السوفيتي وموجّهة ضدّ موسكو.

في الإرث السياسي الروسي أوكرانيا ليست دولة عاديّة، فقد نشأت في كنف الاتحاد السوفيتي، وضمّت إليها أراضي جديدة، روسية وغير روسية، وأخذت حجماً استثنائياً في استراتيجيّته السياسية والعسكرية.

السرديّة الأوكرانيّة         

في المقابل يرى الأوكرانيون أنفسهم مختلفين تماماً عن الروس، على الرغم من انتمائهم إلى المجموعة اللغوية السلافية، وأنّ الإمبراطورية الروسية حرمت الأوكرانيين من دولتهم، واستولت على أراضيهم، وحظرت استخدام اللغة والثقافة الأوكرانيّتين.

في الإرث السياسي الروسي أوكرانيا ليست دولة عاديّة، فقد نشأت في كنف الاتحاد السوفيتي، وضمّت إليها أراضي جديدة، روسية وغير روسية

على أراضي أوكرانيا الحديثة كانت توجد إمارة قويّة تسمى “كييف روس” أو “إمارة كييف”، وكانت تمتلك روابط مصاهرة مع بلدان أوروبية كبيرة مثل فرنسا وبولندا والمجر والدول الإسكندينافية وألمانيا، وتالياً يعتقد الأوكرانيون أنّه يحقّ لهم أن يكونوا جزءاً من أوروبا والاستقلال الكامل عن روسيا والحرّية.

إزاء هذا الجدل الذي لا يمكن حسمه، اتّخذ سيّد الكرملين القرار الحاسم بالهجوم الساحق وإرجاع التاريخ إلى الوراء، في لحظة ظنّ فيها أنّ الغرب بات ضعيفاً، بسبب الاضطراب المزمن لمؤسّسته الديمقراطية، والتحدّي الصاخب الذي يمثّله الصعود السريع للصين.

ربّما لم يكن مدركاً أنّ الغرب عموماً، وأميركا خصوصاً، أعدّوا له في أوكرانيا مكمناً محكماً، واستُدرج إلى الفخّ بتشجيعهم كييف على عدم التراجع عن طلب الانضمام إلى “الناتو”، وبمدّ الجيش الأوكراني بالدعم الكبير حتى يكون أكثر استعداداً لصدّ أيّ غزو روسي جديد على عكس ما جرى عند غزو القرم عام 2014.

الصدمة الروسيّة

بدلاً من أن يحقّق الجيش الروسي الجرّار المفاجأة والصدمة اللتين من شأنهما التسبّب بانهيار الجيش الأوكراني، حدث العكس تماماً. كانت الصدمة كبيرة في موسكو عندما نقلت الصور مشاهد قوافل وريث الجيش الأحمر الذي دخل برلين النازية، تحترق وتدمّر على بوّابات كييف.

بعد سنتين من القتال الضاري في أشرس الحروب الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، حقّقت قوّات الكرملين تقدّماً عسكرياً في اتجاه بحر آزوف وخيرسون ومناطق الدونباس الناطقة بالروسية، لكنّه لا يذكّر بما كان يتوقّع بوتين أن يحصده من “عمليّته الخاصة العسكرية”. كان أنصاره والمريدون يتوقّعون انهياراً أوكرانياً شاملاً في غضون شهور. هذا لم يحصل.

على أراضي أوكرانيا الحديثة كانت توجد إمارة قويّة تسمى “كييف روس” أو “إمارة كييف”، وكانت تمتلك روابط مصاهرة مع بلدان أوروبية كبيرة

في المقابل فإنّ الدعم الهائل الذي قدّمه الغرب سياسياً ومعنوياً وإعلامياً وماليّاً وعسكرياً، إضافة إلى الحصار النفطي والغازي والماليّ والسياسي غير المسبوق الذي فُرض على موسكو، كان يتوقّع لهما أن يتسبّبا بانهيار روسيا اقتصادياً في أقلّ من شهور أيضاً. وهذا لم يحصل أيضاً، بل على العكس ساهمت الحرب وتداعياتها في تنشيط الاقتصاد الروسي وخلق اقتصاد بديل وتطوير الإنتاج الصناعي الحربي ومحافظة بوتين على استقرار نظامه السياسي وأن يتحضّر لسباق انتخابي رئاسي جديد من موقع قويّ، فيما عانت أوكرانيا من موجة تدمير هائلة في بناها التحتية وجيشها وتهجيراً استثنائياً لسكانها، وباتت أسيرةً لمشيئة الآخرين.

أوكرانيا

لا مؤشّرات إلى انتهاء الحرب قريباً. لا روسيا مستعدّة أن تتراجع خطوة واحدة عمّا تسمّيه حقّها الشرعي بالدفاع عن أمنها الاستراتيجي عند حدودها المباشرة. ولا الولايات المتّحدة مستعدّة أن تدع خصمها التاريخي يفلت من الحصار الدولي الاستثنائي الذي ضربته حوله ولا من الألغام التي ما انفكّت تزرعها في طريقه. احتكرت هي والغرب وحدهما حقّ التحدّث باسم الحقيقة، ومارسا أقصى الضغوط لـ”شيطنة” روسيا التي وُصفت بأنّها أصل كلّ الشرور وتعتدي وتغزو وتروّع، دون سبب أو داع. وحرماها حتى من إسماع رأيها وصوتها بشلّ وسائل إعلامها.

استطاع الغرب ترميم الشروخ والتصدّعات في تحالفه تحت عنوان “وحدة الموقف” في مواجهة الخطر الروسي، لكن كلّما طالت الحرب عادت الشقوق للظهور. وجاء العدوان الإسرائيلي على غزة بمنزلة الهديّة من السماء لبوتين، وبمنزلة اللعنة لندّه الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي غطّت أخبار نكبة غزة على نجوميّته العالمية وحجبت الأنظار عن أوكرانيا وحرمتها حيّزاً كبيراً من الاهتمام والمساعدات والسلاح.

الكلفة الباهظة

سنتان من الحرب كانت كلفتهما باهظة ليس فقط على الدولتين المتحاربتين بل على العالم بأسره. لقد غيّرتا وجهة العالم وغيّرتا التحالفات. تسبّبتا بأزمات وتداعيات عالمية، سواء في الشقّ الاقتصادي من جهة، أو في الأزمات الإنسانية من جهة أخرى، إلى جانب التوتّر السياسي الذي سيطر على المشهد العالمي طوال تلك الفترة.

استطاع الغرب ترميم الشروخ والتصدّعات في تحالفه تحت عنوان “وحدة الموقف” في مواجهة الخطر الروسي

أبرز المتضرّرين والمتأثّرين، بلدان القارّة القديمة التي تجري الحرب في مقلبها الشرقي، فأوروبا تواجه ظروفاً وتحدّيات لم تواجه لها مثيلاً منذ الحرب العالمية الثانية، ذلك أنّ الأزمة أظهرت نقاط الضعف الكبرى في الاتحاد الأوروبي وهزّت الاستقرار الاقتصادي والأمني فيه، فقطع مصادر الطاقة الروسية كان بمنزلة الزلزال المعيشي للأوروبي، كما أسهمت العقوبات الاقتصادية التي أرغمت واشنطن الحلفاء الغربيين على فرضها على روسيا، في خلق الشكّ والريبة المتبادلة بين الجانبين الأميركي والأوروبي، خصوصاً بعدما ارتدّت العقوبات المتطرّفة وبالاً على الاقتصاد الأوروبي المتأثّر أصلاً بجائحة كورونا.

أدّى هذا الوضع إلى تنامي بذرة التطرّف والانعزال والانغلاق القومي في بنيان أوروبا الاجتماعي والسياسي، وتفاقمت أزمات الطاقة وارتفعت أسعار الموادّ الغذائية في كلّ الدول الأوروبية وزاد التضخّم وسقطت حكومات، وثمّة منحى أوروبي نحو اليمين المتشدّد نتلمّس طلائعه في انتصارات انتخابية في المجر والسويد وهولندا وإيطاليا المهدَّدة بنزعة فاشية قومية جديدة قد تقلب المفاهيم الأوروبية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وربّما تطيح بوحدة الاتحاد الأوروبي نفسه.

إقرأ أيضاً: “ميونخ للأمن”: الغرب أوكراني.. وغزة للعرب

أوروبا أمام خيارين: إمّا أن تبحث عن حلول صعبة وجذرية تحفظ مصالحها الكبرى وتؤكّد استقلالها السياسي والعسكري والأمنيّ والاقتصادي وتؤمّن لها مسافة كافية عن واشنطن المصرّة على تمسّكها بهيمنتها على العالم، وتحميها من الهواجس التوسّعية لموسكو، وإمّا أنّها ستجد نفسها أسيرة لأحد الطرفين في حال تمكّن أحدهما من تسجيل انتصار على حساب الطرف الآخر. ولطالما عرقلت واشنطن إنشاء جيش أوروبي مُوحّد تحت ذريعة عدم إضعاف الحلف الأطلسي. ولطالما عطّلت وحدته بتشجيع بريطانيا على الخروج من التكتّل القارّي، ولطالما عملت على تقزيم الاتحاد الأوروبي بإضعافه اقتصادياً وماليّاً وإشغاله بحروب لم يقرّرها.. تُهدّد حدوده ووحدته. فكيف بالأحرى الآن والتنافس على ذروته بين أميركا وكلّ من الصين وروسيا على الزعامة الدولية، والسعي إلى قيام عالم جديد متعدّد الأقطاب؟ فهل تسمح لأوروبا بأن تفلت من قبضتها في ذروة هذا الصراع؟

إقرأ أيضاً

وريقة صغيرة من نتنياهو إلى بايدن: إلزاميّ واختياريّان!

لم يتصرّف نتنياهو حيال الردّ الإيراني الصاروخي، كما لو أنّ ما حصل مجرّد تمثيلية، مثلما عمّم وروّج خصوم طهران. ولم يقتنع بأنّ حصيلة ليل السبت…

بعد غزة.. هل يبقى اعتدال؟

المذبحة المروّعة التي تُدار فصولها في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث التواطؤ الغربي شبه الكامل على منح إسرائيل كلّ التسهيلات…

لبنان ما زال في بوسطة عين الرمّانة!

مرّت ذكرى 13 نيسان. لا يزال شبح بوسطة عين الرمّانة مخيّماً على الحياة السياسيّة اللبنانيّة. ولا يزال اللبنانيون في خصام مع المنطق. لا يزال اللبنانيون…

لبنان بعد الردّ الإسرائيلي على إيران؟

لا يمكن الاستسهال في التعاطي مع الردّ الإيراني على استهداف القنصلية في دمشق. بمجرّد اتّخاذ قرار الردّ وتوجيه الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل، فإنّ ذلك يعني…