الكويت: نهج الآباء والأجداد يحلّ مجلس الأمة

تصاعدت الأزمة السياسية في الكويت، خصوصاً مع التصريح الجريء للنائب عبد الكريم الكندري ضدّ الأمير الشيخ مشعل الأحمد، وتدخّل رئيس مجلس الأمّة أحمد السعدون لشطب كلمة عبد الكريم الكندري، بعد اجتماع نيابي في مكتب السعدون. وبعد كسر الخطوط الحمر، أصدر الأمير قراراً بحلّ البرلمان، وكان “أساس” أوّل من توقّع حلّ المجلس بعد صراعه مع الحكومة. فإلى أين تتّجه الكويت؟

 

انتهت مرحلة الترقّب الحذر في الكويت، بعد جنوح ثلّة من النواب نحو التصعيد و”كسر الخطوط الحمر”، وهو ما أدّى سريعاً إلى حلّ البرلمان، في قرار عبَّرَ عن حزم القيادة في التعاطي مع المشهد السياسي، وعن حزم الأمير الصباح في مواجهة البرلمان.

منذ تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة الشيخ محمد صباح السالم الصباح، وهي الأولى في عهد الأمير الشيخ مشعل الأحمد، بدا جليّاً “الودّ المفقود” مع مجلس الأمّة الذي انتُخب في 6 حزيران 2023. فقد اعتاد البرلمان منذ ذلك الحين التعامل مع حكومة “مِطواعة” لا تصطدم معه وتتحاشى المواجهة، لا لأنّ التوجّه الحكومي اختلف في الكويت، بل لأنّها كانت تضمّ وزيراً للدفاع هو الشيخ أحمد الفهد، المنخرط بشكل تامّ في الصراع السياسي، والمعروف بأنّ لديه مجموعة كبيرة من النواب المؤيّدين له في المجلس.

تصاعَدَ الانقسام وتبايَنَت المواقف. احتكم الفريقان للتصويت. انتصَرَت الحكومة وتمّت الموافقة على التأجيل إلى 5 آذار المقبل

مع خروج الفهد الذي كان قطباً أساسياً في الحكومة الأخيرة في عهد الأمير الراحل الشيخ نواف الأحمد التي رأسها نجله الشيخ أحمد النواف، عادت الأمور إلى “مسار التصادم الكلاسيكي”:

– حكومة حازمة لا تقول للنواب “سمعاً وطاعة”.

– وبرلمان قويّ يضمّ معارضين شرسين لا يُعطي من دون مقابل وغير مستعدّ للتعاون إلا وفق قواعده وشروطه.

المثلّث الجديد

يقول مراقبون إنّ أيّ حاكم جديد في الكويت يجب أن تأتي معه حكومة جديدة وبرلمان جديد.

وإذ تولّى الشيخ مشعل الأحمد مقاليد الحكم في منتصف كانون الأول 2023، وتشكّلت أولى الحكومات في عهده منتصف كانون الثاني 2024، لم يبقَ من الأضلاع الثلاثة إلا البرلمان الجديد، الذي سيُنتخب في منتصف نيسان 2024 (راجع مقال “أساس” في 18/1/2024 بعنوان “حكومة الكويت الجديدة مُقدّمة لحلّ البرلمان“).

يؤكّد أصحاب هذا الرأي أنّه لم يكن ممكناً أن تكون الحكومة الجديدة شبيهة بسابقتها، خاصة بعد النقد الحادّ والصريح، وغير المسبوق منذ عقود، الذي ورد في خطاب الأمير بعد أدائه اليمين الدستورية عندما اعتبر أنّ السلطتين التشريعية والتنفيذية “تعاونتا واجتمعت كلمتهما على الإضرار بمصالح البلاد والعباد”.

لذلك كان متوقّعاً أن تكون حكومة محمد صباح السالم مُغايرة تماماً في توجّهاتها لحكومة أحمد النواف، انطلاقاً من قناعتها بضرورة تغيّر مسار النواب لتتمكّن من التعايش معهم. ومع عدم حصول ذلك واستمرارهم في التصعيد إلى مستوى غير مقبول، بدأت إرسال مؤشّرات “حازمة” وصولاً إلى الثلاثاء 6 شباط والأربعاء 14 شباط، اللذين سبقا قرار حلّ البرلمان.

فماذا حدث في هذين اليومين؟

الحكومة

انتصارٌ الثلاثاء وحزمٌ الأربعاء وحلٌّ الخميس

يوم الثلاثاء 6 شباط 2024، كانت هناك جلسة مُجدوَلة لمجلس الأمّة يتضمّن جدول أعمالها مشاريع قوانين لإعطاء المواطنين زيادات على رواتبهم، من بوّابة ما يُعرف بـ”غلاء المعيشة”.

جاءت الحكومة وطلبت من المجلس تأجيل هذه القوانين لمدّة شهر. انقسَمَ البرلمان على نفسه للمرّة الأولى بعدما كان كتلة موحّدة تقريباً منذ انتخابه في 6/6/2023.

اعترض بعض النواب وثار ورفض إعطاء فرصة، فيما اعتبر البعض الآخر أنّ من المنطقي إجابة طلب الحكومة لأنّها جديدة وتحتاج إلى وقت لتُدلي بدلوها في مشاريع القوانين، خاصة تلك التي تتضمّن تكاليف وأعباء ماليّة على الدولة.

تصاعَدَ الانقسام وتبايَنَت المواقف. احتكم الفريقان للتصويت. انتصَرَت الحكومة وتمّت الموافقة على التأجيل إلى 5 آذار المقبل.

استمرّت الجلسة بشكل طبيعي، وعُقدت جلسة أخرى تكميلية في اليوم التالي. هنا بدأت الأزمة. وقف النائب عبدالكريم الكندري لتسجيل موقف، فاعتبر أنّ الأمير “قسا” على النواب (كما يقسو الأب على أبنائه)، وأعلن أنّه شخصياً لم يصوّت بالموافقة على إقرار مخصّصات رئيس الدولة (الأمير) في حين تمّ تأجيل زيادات غلاء المعيشة للمواطنين.

 

انتهت مرحلة الترقّب الحذر في الكويت، بعد جنوح ثلّة من النواب نحو التصعيد و”كسر الخطوط الحمر”، وهو ما أدّى سريعاً إلى حلّ البرلمان

السعدون يتدخّل لشطب كلام الكندري

تدخَّل “المُخضرم” رئيس مجلس الأمة أحمد السعدون، وشطَبَ كلامه من محضر الجلسة، ومن فيديو الجلسة الذي بثّته قناة مجلس الأمّة، لأنّ فيه تجاوزاً للخطوط الحمر. ودار بينهما سجال حادّ تمّ احتواؤه بصعوبة.

يوم الثلاثاء 13 شباط، كان موعد الجلسة التالية لمجلس الأمّة. وعادة ما يتمّ في مستهلّها المصادقة على مضبطة الجلسة السابقة. اعترض الكندري على شطب كلامه وأصرّ السعدون على موقفه، فاحتكما إلى التصويت وكانت المفاجأة: كلّ النواب، باستثناء السعدون ونائبه محمد المطير، وافقوا على إبقاء كلام الكندري في المضبطة، والنتيجة 44 مقابل 16 (هم 14 وزيراً والسعدون والمطير). انتصَرَ النواب وبقي كلام الكندري، وخسرت الحكومة.

هنا تصاعدت الأزمة واستفحلت: غضبٌ حكومي وجرأةٌ نيابية في رفع سقف الانتقاد. جاء النواب صباح الأربعاء ليحضروا الجلسة التكميلية، لكنّ الحكومة لم تحضر فطارَت الجلسة. وما زاد الطين بلّة في المغزى السياسي أنّ الجلسة كانت أصلاً مخصّصة لمناقشة برنامج عمل الحكومة.

منذ تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة الشيخ محمد صباح السالم الصباح، بدا جليّاً “الودّ المفقود” مع مجلس الأمّة الذي انتُخب في 6 حزيران 2023

بالتزامن، بعثت الحكومة رسالة واضحة، من خلال منشور كتبه وزير الدولة لشؤون مجلس الأمّة داوود معرفي على حسابه في منصة “إكس”: “المادّة 54: الأمير رئيس الدولة، وذاته مصونة لا تمسّ – دستور دولة الكويت”.

بدت الرسالة تمهيداً واضحاً لما هو آتٍ. فلم يتأخّر مرسوم حلّ مجلس الأمّة الذي صدر ليل أمس الخميس وفق المادّة 107 من الدستور. وجاء فيه: “وبناء على ما بدر من مجلس الأمّة من تجاوز للثوابت الدستورية في إبراز الاحترام الواجب للمقام السامي وتعمُّد استخدام العبارات الماسّة غير المنضبطة”، وفق ما ورد في نصّه.

صراعات الأسرة الحاكمة في الكويت

تشير العبارات الواردة في المرسوم إلى ما قاله النائب الكندري عن مخصّصات رئيس الدولة وما جرى في جلسة الثلاثاء الفائت، التي شهدت كلاماً عالي السقف من بعض النواب:

– النائب جراح الفوزان قال إنّ “الصراعات على منصب ولاية العهد يجب أن يوضع لها حدّ”.

– ودعا النائب حمدان العازمي إلى “دمج ولاية العهد مع رئاسة الوزراء لوقف المشاكل”، متّهماً بعض أبناء الأسرة بالتحالف مع بعض التجّار والفاسدين، “ومشكلتنا أنّ الشيخ صار تاجراً، والتجّار أصبحوا شركاء للشيوخ”.

إقرأ أيضاً: الكويت.. قبل فوات الأوان

– وذهب النائب مبارك الحجرف أبعد من ذلك بالقول: “صراعاتكم (يقصد الأسرة) حلّوها بعيداً عن قاعة عبدالله السالم (قاعة البرلمان)، والخلافات بينكم تسبّبت في تأخّر البلد، ونقول: الله يكفي البلد شرّها، وليذهب أطراف الصراع للجحيم”. ودعا إلى اختيار وليّ عهد شابّ “لديه رؤية ويمحو هذه الخلافات والصراعات.. فليحترقوا هم لكن لا تحترق الكويت”، معتبراً أنّ “البلاد صارت عجوزاً وهي فتيّة بسبب صراعات بينهم على مسند الإمارة”.

ثالث انتخابات في 3 سنوات

هذا الكلام لم يكن وارداً أن يمرّ مرور الكرام لدى القيادة السياسية التي قرّرت اعتماد “الحزم”، منذ البداية. وهو ما قاد إلى حلّ المجلس، ويعني أنّ الانتخابات ستُجرى بعد شهرين، أي بعد عيد الفطر بحدود منتصف شهر نيسان المقبل، وأنّ الكويتيّين سيذهبون إلى صناديق الاقتراع للمرّة الثالثة في 3 أعوام، بعد انتخابات حزيران 2023 وأيلول 2022.

إقرأ أيضاً

معنى الردّ الإيرانيّ و”اليوم التالي”

لا تحتمل إيران ردّاً أكبر ممّا فعلته ليل السبت فجر الأحد الفائت، ولا تحتمل ردّاً أقلّ من ذلك.  كان الهجوم الإيراني أقرب إلى عرض ناري…

الحرب الأهليّة… لحظة لم تغادر

نصف قرن تقريباً مضى على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في 13 نيسان 1975. إلا أنّ طيفها لا يغادرنا. عُدّتها وعتادها كذلك. لماذا تفشل الدولة في…

ردّ إيران على إسرائيل: تغييرات في “نظام المنطقة”؟

في اليوم الرابع عشر جاء الردّ، ونفّذت إيران تهديداتها بمعاقبة إسرائيل على الاعتداء الذي استهدف القسم القنصلي في سفارتها في العاصمة السورية دمشق مطلع شهر…

خطر: Non State actors

من الأخطاء الكبرى أن يعتقد البعض أنّ سياسات العالم اليوم تمرّ إدارتها عبر أجهزة وحكومات تنتمي إلى دول شرعية. خرج الأمر عن سيطرة الدول states،…