تركيا تقترب من النموذج اللبناني: أزمة مصرفية في الأفق

2020-11-11

تركيا تقترب من النموذج اللبناني: أزمة مصرفية في الأفق


لكلّ دولة قصة مع الإفلاس. قد يبدو سيناريو تدهور الاقتصاد التركي بعيداً عن الأزمة المالية اللبنانية رغم وجود أوجه شبه، وهي للمناسبة كثيرة. لكنّ الحقيقة أنّ المصارف اللبنانية المتواجدة في السوق التركية باتت في خضمّ معمعة الضربات المالية التي تتلقاها الدولة العابرة للقارات. ليس الخطر الذي يحيط بالمصارف اللبنانية في السوق التركية موضوع الحديث هنا. فقبل الغوص في تفاصيل العمل المصرفي في دول المنطقة وتحديداً تركيا، تجدر الانطلاقة من مقاربة الأوضاع المالية لهذا البلد السياحي.

على الرغم من أنّها بلد منتج وسياحي، يزداد الاضطراب الاقتصادي في تركيا سوءاً. على مدى العام 2020، انخفض سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار نحو 50%، وهو ما يهدّد بخروج التضخم عن السيطرة. وزادت جائحة “كوفيد-19” الوضع المالي رداءة.

ليست الأزمة المالية التركية حديثة، ولا هي جديدة، فقد سبق وشهدت السوق التركية أزمة عملة حادّة. إلا أنّ المستجدّ هذه المرّة هو اتجاه الدولة نحو أزمة ميزان مدفوعات كبيرة.

بذلك يكون التحدّي الأكبر للرئيس التركي رجب طيب أردوغان هو كبح التدهور الاقتصادي والمالي. فقد دفعت السياسات الاقتصادية والنقدية غير التقليدية البلاد نحو نقطة اللاعودة، ما ينذر باحتمال مصادرة الحكومة الودائع بالدولار المحلي، وتنفيذ ضوابط على رأس المال في المستقبل القريب.

على الرغم من أنّها بلد منتج وسياحي، يزداد الاضطراب الاقتصادي في تركيا سوءاً. على مدى العام 2020، انخفض سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار نحو 50%، وهو ما يهدّد بخروج التضخم عن السيطرة. وزادت جائحة “كوفيد-19” الوضع المالي رداءة

وباعتبارها دولة تعاني من عجز هيكلي في الحساب الجاري، فإن اقتصادها يتطلّب استثمارات أجنبية. لذا، استفادت تركيا في فترة التعافي الاقتصادي من الأزمة المالية العالمية، من معدلات الفائدة العالمية المنخفضة، ومن ثَمّ اتبعت نهج التيسير الكمي (Quantitative Easing)، وهو سياسة طباعة النقود، وضخّها لتنشيط الاقتصاد القومي، ومن ثَمّ شراء البنك المركزي للأصول المالية من المصارف، ومعها شراء السندات الحكومية.

عام 2009، عانت تركيا من عجز في الحساب الجاري تخطّى الـ 4? من الناتج المحلي الإجمالي. قبل ذلك، كانت الاستثمارات الأجنبية المباشرة (foreign direct investment “FDI”) قد وفّرت الكثير من التمويل للحفاظ على ميزان مدفوعات إيجابي. عام 2010، تمّ تمويل عجز ميزان المدفوعات عن طريق استثمارات المحافظ الأجنبية، وبدأ مسار إقراض الشركات التركية من الخارج بالعملات الصعبة.

بين الانقلاب العسكري الفاشل على إردوغان صيف 2016 والانتخابات الرئاسية في 2018، سلكت تركيا درب توسّع اقتصادي مدعوم بالائتمان، ما فرض ضغوطًا على كلّ من الحساب الجاري وعلى الليرة التركية. في النهاية، اضطر البنك المركزي التركي إلى تشديد السياسة النقدية عن طريق زيادة سعر الفائدة إلى 24?. أثار ذلك استياء الرئيس التركي أردوغان من منطلق أنّ هذه السياسة تعني مزيداً من تباطؤ النشاط الاقتصادي. ساهم التدبير الجديد للمركزي بإقالة حاكمه مراد تشيتينكايا (في صيف 2019)، وعيّن مكانه مراد أويسال. مطلع العام 2020، بدأت تركيا بالفعل توسعًا ائتمانيًا آخر عن طريق خفض أسعار الفائدة، والضغط على البنوك المحلية لتقديم قروض للمستهلكين،. وذهبت بعض السلطات إلى حدّ تغريم البنوك التي لا تحمل ميزانيتها العمومية قروضًا استهلاكية كافية.

بدورها، لم تفلح هذه السياسة. ومنذ أيام، أنهى أردوغان ولاية الحاكم الجديد أويسال، ليحلّ محله ناجي أغبال، وزير المالية السابق. هكذا يكون أردوغان قد بدّل حاكمين للبنك المركزي التركي في غضون عامين، وفي وقت تعاني البلاد من أزمة عملة للمرّة الثانية على التوالي.

عندما عُيّن أويسال، أذعنت إدارة البنك المركزي الجديدة لضغوط الرئيس، فعادت وخفّضت معدلات الفائدة. هذا المزيج من أسعار الفائدة الحقيقية المنخفضة والتوسع الائتماني، وتدهور ميزان المدفوعات، زاد من الضغط على الليرة. أوائل عام 2019، بدأ البنك المركزي التركي في بيع الدولار الأميركي في السوق المفتوحة لمنع إضعاف الليرة. لكنّ النتائج أتت عكسية نظرًا لمحدودية احتياطياته بالدولار.

ترافقت هذه الاستراتيجية المالية مع إنفاق الحكومة الضخم، وإخفائها حقائق الأرقام في نظامها المالي. أما اقتراض البنوك الخاصة وتلك المملوكة للدولة، فكان رهيباً، وهو الأمر الذي تراكمت بسببه متاعب تركيا الاقتصادية.

منذ أيام، أنهى أردوغان ولاية الحاكم الجديد أويسال، ليحلّ محله ناجي أغبال، وزير المالية السابق. هكذا يكون أردوغان قد بدّل حاكمين للبنك المركزي التركي في غضون عامين، وفي وقت تعاني البلاد من أزمة عملة للمرّة الثانية على التوالي

كلّ ذلك دفع بوكالات التصنيف الائتماني وأولها  “Moody’s”إلى خفض التصنيف الائتماني السيادي لتركيا محذّرة من أن تتدهور الأوضاع أسرع مما هو متوقّع. في السياق عينه، أفاد تقرير صندوق النقد الدولي (IMF) المحدّث عن وضع البنوك المركزية حول العالم، ومستوى احتياطات النقد الأجنبي، بأن تركيا جاءت مع جنوب إفريقيا ضمن الدول التي تراجعت إلى ما أقل من حدّ “كفاية الاحتياطي الأجنبي”، وتتجه إلى الركود الثاني في أقلّ من عامين بعدما تراجعت إلى أقل من حدود كفاية هذا الاحتياطي. بالتوازي، تشهد تركيا هروب الرساميل وفقًا لإحصاءات ميزان مدفوعات البنك المركزي التركي. ففي تموز، بلغ صافي تحرّكات رأس المال خروج 6.7 مليار دولار من النظام المالي التركي.

إقرأ أيضاً: شركة إيطالية للضغط على شركات التأمين: من المستفيد؟

باختصار، وقعت تركيا في فخّ أكلاف حماية العملة الوطنية… فإنفاق احتياطيات الدولار للدفاع عن قيمة العملة لا يصلح في المبدأ إلا إذا كان مخزون الاحتياطي القابل للاستخدام ضخماً.

إلى ذلك، تعاني الشركات التركية مخاطر إفلاسية خطرة نتيجة تعثّرها عن سداد قروضها المدولرة، والتي تتطلّب إعادة هيكلة، وقد بلغ حجم هذه القروض مليار دولار، كما ذكرت وكالة (Bloomberg). ما يعني أنّ أزمة مصرفية تلوح في الأفق، مع ما يحمله ذلك من نقاط استفهام حول أوضاع المصارف اللبنانية المنخرطة في السوق التركية منذ أعوام.

تركيا لا تزال في مرحلة محاولة حماية العملة المحلية، وربما تصل إلى النموذج اللبناني.

مواضيع ذات صلة

الذّهب ومجموعة BRICS يعيدان تشكيل الاقتصاد العالميّ

تأثير الاستثمار في الذهب على السيولة والنموّ الاقتصادي معقّد ويعتمد على عوامل متعدّدة بما في ذلك السياسات الاقتصادية، الاستقرار السياسي، وثقة المستهلك.   من الضروري…

طارق خليفة: وعد بدفع 10% ممّا “سرقه”… وخرج حُرّاً

قُضي الأمر… وجرى احتواء ملفّ رئيس مجلس إدارة بنك “الاعتماد المصرفي” طارق خليفة بعد الاستماع إلى شهادته، ودخوله في مسار تسوية à la libanaise، استطاع…

ما وراء الشّلل السياسيّ: لمستقبل يقوده القطاع الخاصّ

منذ بداية الأزمة الاقتصادية في عام 2019، يعاني لبنان من عدم استقرار ماليّ عميق تفاقم بسبب الجمود السياسي والافتقار إلى إصلاحات ذات مغزى. يستكشف هذا…

أرباب العمل “يرمّمون” ثرواتهم.. على حساب الموظّف؟

كلّ شيء بعد الأزمة تحوّل وتبدّل وارتفعت أسعاره، ما خلا رواتب موظّفي القطاع الخاصّ. أرباب العمل في القطاعات كلّها رفعوا أسعار سلعهم وخدماتهم حتى تحاكي…