إيران وعقدة الكاظمي

2020-08-24

إيران وعقدة الكاظمي


قد لا يكون مستغرباً على العقل السياسي المحافظ في إيران الموقف الذي عبّر عنه رئيس تحرير صحيفة “كيهان” الرسمية والمقرّب من المرشد الأعلى للنظام حسين شريعتمداري من رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي ونتائج زيارته إلى العاصمة الأميركية واللقاء مع الرئيس دونالد ترمب. إذ كتب شريعتمداري أنّ “مواقف الكاظمي امتداد للخيانات التي تعرض لها آل البيت في الكوفة”، وأضاف: “الرئيس منفصل عن مطالب الشعب العراقي”.

فهذا “العقل السياسي”، إن كان على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي، لا يقبل بأنصاف الحلول أو التعامل من موقع الندّ، وتنقسم الأمور عنده بين “مُوالٍ” و”غير مُوالٍ”. والتعامل مع “غير الموالي” محكوم بالمصلحة والبراغماتية لتمرير مرحلة حرجة تتطلّب من النظام اتباع تكتيكات مختلفة قد تبدو أنها تنازل، إلا أنها لا تعدو أن تكون انحناءً أمام العاصفة تسمح بمرورها بأقل الخسائر.

إقرأ أيضاً: الحزب والردّ المتوازن

ويمكن القول إنّ هذا هو المنطق الذي حكم العلاقة بين طهران والمستجدّات على الساحة العراقية منذ مطلع شهر تشرين الأوّل 2019 واندلاع حركة الاحتجاجات الشعبية والتداعيات التي انتهت اليها باستقالة حكومة عادل عبد المهدي، ودخول العراق في نفق الفراغ في السلطة على الرغم من كلّ الجهود التي بذلتها طهران أولّاً من أجل إعادة عبد المهدي وطيّ صفحة الأزمة، وثانياً في محاولة إيصال بديل عنه يكون منسجماً مع رؤيتها واستكمالاً لما بدأت بتكريسه مع الرئيس المستقيل. من دون استبعاد الدور السلبي الذي لعبته الفصائل والأحزاب العراقية، سواء القريبة من طهران أو البعيدة عنها، في عرقلة أيّ تسوية لإخراج العراق من الأزمة الحكومية دفاعاً عن مصالحها وحصصها ومكاسبها في السلطة والإدارة ونهب الثروات. وهي تشبه إلى حدّ كبير ما تشهده الساحة اللبنانية حالياً بعد الانفجار الكارثي في مرفأ بيروت، والبحث الدائر لإنهاء الفراغ الحكومي وعملية التعطيل القائمة على معركة التحاصص.

يمكن القول إنّ طهران استطاعت تعطيل الجهود العراقية لإحداث خرق في موقفها الرافض لعودة رئيس الوزراء حينها حيدر العبادي لدورة ثانية، والذي رفضته لاعتبار أنه قد يكون قادراً على توظيف المنجز العسكري الذي حقّقه بوجه “داعش” لتكريس سياسة متوازنة مع طهران

الأزمة الإيرانية على الساحة العراقية بدأت بعد الانتخابات البرلمانية العراقية عام 2018، وعدم قدرة الاحزاب الموالية أو المقرّبة من إيران حسم الموقف والحصول على الغالبية البرلمانية التي تسمح لها بتشكيل مريح للحكومة الجديدة. استنفرت طهران كلّ جهودها الدبلوماسية والثقافية والسياسية من أجل الإمساك بمسار السلطة في العراق وقطع الطريق على انفلات الأمور وخروجها عن السيطرة.

فبالإضافة إلى الجهود الحثيثة التي بذلها قائد قوة القدس الجنرال قاسم سليماني في تلك الفترة مع الفصائل والأحزاب الموالية والمقرّبة منه للوصول إلى تسوية تسمح بترشيح شخصية تلبّي الحاجة الإيرانية من ناحية، ومن ناحية أخرى تسهّل عملية حصول هذه الفصائل والأحزاب على المكاسب التي تريدها وما فيها من عمليات ابتزاز مارستها بوجه سليماني وأيّ مرشح محتمل لمنصب رئيس الوزراء. والهدف هو الحصول على أكبر قدر ممكن من الحصص والمواقع والفوائد. لذا فإنّ جهوداً إيرانية أخرى من نوع آخر لجأت إليها طهران، بدخول كبير مستشاري المرشد الأعلى للنظام وزير الخارجية الأسبق علي ولايتي على خط الضغوط ورسم الخطوط الحمراء الإيرانية على الساحة العراقية، بإعلانه من بغداد “رفض طهران لأيّ مساعٍ تسمح بتولّي التيار العلماني السلطة في العراق”، وأنّ إيران “ستعمل على منع هذا المسار لأنّه يعبّر عن حالة عداء لها”، وهو ما لا تسمح به.

يمكن القول إنّ طهران استطاعت تعطيل الجهود العراقية لإحداث خرق في موقفها الرافض لعودة رئيس الوزراء حينها حيدر العبادي لدورة ثانية، والذي رفضته لاعتبار أنه قد يكون قادراً على توظيف المنجز العسكري الذي حقّقه بوجه “داعش” لتكريس سياسة متوازنة مع طهران، ومنفتحة على المحيط العربي، وقوية مع المجتمع الدولي، قد تؤدّي لاحقاً إلى نوع من التأسيس لإخراج أحزاب الإسلام السياسي من دائرة القرار والسلطة، وتقليص النفوذ الإيراني أو محاصرته، وفرض نوع جديد من التعامل بين طهران وبغداد، خصوصاً أنّ العبادي حينها أظهر تمايزاً في التعاطي مع السلطة عن حزب الدعوة الذي ينتمي له من دون الوصول إلى مرحلة الانفصال عنه.

ما فعله الكاظمي في واشنطن، وما جرى التفاهم عليه مع الرئيس ترامب، لا يخرج عما يمكن تسميته تسوية أميركية إيرانية بما يتعلّق بساحة الاشتباك العراقية، وأنّ الاتفاقيات الاقتصادية التي تمّ التفاهم حولها أو التوقيع عليها ليست جديدة بين البلدين

شكّلت ساحات الاعتراض مدخلاً للقوى الإقليمية والدولية والداخلية الرافضة للنفوذ الإيراني عبر أدواته العراقية “غير الثابتة” في ولائها له، وتحوّلت إلى عامل تعطيل لكلّ الجهود التي بذلتها طهران لإعادة الإمساك بالمسار السياسي العراقي. وتحوّلت عملية اغتيال سليماني الأميركية إلى نقطة تحوّل جذرية في رسم المشهد العراقي الجديد نتيجة الإرباك الذي أُصيبت به الجهود الإيرانية، ما أجبرها على القبول بتكليف مصطفى الكاظمي تشكيل الحكومة الجديدة انطلاقاً من إحساسها بضرورة الحدّ من تدهور نفوذها، وتمرير المرحلة بأقل قدر من الخسائر، خصوصاً أنّها تعتبر الكاظمي أحد المحرّكين الأساسيين لساحات الاعتراض والمظاهرات، وأنّ وصوله إلى هذا الموقف قد يؤسّس لإخراج الأحزاب والقوى السياسية لاحقاً من المشهد السياسي وفتح الطريق أمام إحداث تغيير جوهري في التركيبة العراقية التي بذلت جهوداً كبيرة منذ الانسحاب الأميركي عام 2011 لتكريسها.

الهجوم على الكاظمي، قد يكون مركّباً، من المخاوف السياسية والمخاوف الأمنية والاستراتيجية. وتحاول طهران منذ وصول الكاظمي التفتيش عن المعادلة التي تضمن لها الحفاظ على مصالحها في العراق الذي يشكّل مدخلاً أساسياً في نفوذها الإقليمي. ومشهد التعامل مع العراق في هذه المرحلة، يبدو أنه يقوم على أسلوب جديد يختلف عما كان سائداً في مرحلة سليماني. فالزيارة التي قام بها الكاظمي إلى طهران مطلع شهر آب 2020 لم تشهد إصراراً إيرانياً على عقد لقاءات استعراضية معه. فاللقاء الذي جمعه مع قائد قوّة القدس الجديد إسماعيل قاآني جرى ليلاً، وبعيداً عن الإعلام. تلاه لقاء آخر موسّع مع قيادة حرس الثورة، وفيه جرى التفاهم على آلية التعامل مع السلاح غير المنضبط الذي تستخدمه الفصائل المتفلّتة التي تقع خارج مؤسسة الحشد الشعبي، بالإضافة إلى التفاهم على قراءة موضوعية حول الوجود الأميركي العسكري في العراق، وصعوبة الذهاب إلى خيار حاسم في مسألة الانسحاب السريع، وأنّ تفاهماً حصل بين الطرفين على التوفيق بين حاجات العراق، والأفق الذي رسمه المرشد الأعلى، والموقف الاستراتيجي الإيراني بانسحاب القوات الأميركية من منطقة شرق آسيا، ومن العراق وسوريا تحديداً.

ما فعله الكاظمي في واشنطن، وما جرى التفاهم عليه مع الرئيس ترامب، لا يخرج عما يمكن تسميته تسوية أميركية إيرانية بما يتعلّق بساحة الاشتباك العراقية، وأنّ الاتفاقيات الاقتصادية التي تمّ التفاهم حولها أو التوقيع عليها ليست جديدة بين البلدين. وأكثرها سبق أن تمّ التفاهم حولها في الوزارات السابقة. وحتّى القمة الثلاثية التي ستجمع الكاظمي مع الملك الأردني والرئيس المصري الأسبوع المقبل، سبقها قمة مماثلة شارك فيها حليف إيران عادل عبد المهدي. وعليه، فإن العقدة الإيرانية في التعامل مع الكاظمي، لا تكمن في مدى قربه من الإدارة الأميركية – وقد يكون ذلك مطلوباً إيرانياً – بل في الخوف من إمكانية أن يقوم الكاظمي في تغليب المصالح والسياسات والعلاقات مع العمق العربي على حساب الدور والنفوذ الإيراني. وهذا يمكن أن يشكّل جوهر المشكلة بين الطرفين، لأنّ طهران لا تعارض العودة العربية إلى العراق أو عودة علاقات العراق مع الدول العربية شرط أن لا يكون على حساب مصالحها ودورها.

مواضيع ذات صلة

وزير المال “مضغوط”… وممنوع من الاستقالة!

لا يَنقص حكومة الرئيس نجيب ميقاتي سوى استقالة وزير في حكومة مستقيلة تصرّف الأعمال وكان الرئيس السابق ميشال عون أصدر قبل يوم واحد من مغادرته…

“طَلَبَها” برّي والقائد لبّى: تسوية الحربيّة لم تنهِ الخلاف!

تَشبّعت التسوية التي رافقت حلّ أزمة نتائج الكلّية الحربية بكمّ كبير من الرسائل السياسية التي ستطبع تطوّرات المرحلة المُقبِلة الساخنة داخلياً على صعيد رئاسة الجمهورية…

رصاصة ترامب تصيب بيروت

من حيث يدري أو لا يدري، لم يصِب الشابّ العشريني في بنسلفانيا برصاصته فقط أذن دونالد ترامب، بل أصاب معها جملة من الاستحقاقات التي كنّا…

وحدة السّاحات “السُّنّيّة”.. إيران تلزّم “الحركة” التنظيمات السُّنّية؟

في حين يكثر الحديث عن سيناريوهات مختلفة لإدارة قطاع غزّة بعد أن تضع الحرب أوزارها ضمن ما يعرف بـ”اليوم التالي”، ليس بينها حركة حماس، يستعدّ…