مارسيل غانم: صوت الناس… وصديق السياسيين

2020-08-15

مارسيل غانم: صوت الناس… وصديق السياسيين


مارسيل غانم هو الإعلامي الوحيد في لبنان الذي يمكن أن نطلق عليه لقب “السوبر ستار”. يكاد يكون أشبه بحالة عبد الحليم حافظ في زمنه. فهو لم يكن صاحب أقوى الأصوات ولا أجملها، لكنه كان الأذكى بلا جدال، كما يعترف محبّوه ومنافسوه.

يصحّ كلام عبد الوهاب في عبد الحليم كوصف لحالة مارسيل غانم، فقد وصف موسيقار الأجيال عبد الحليم بأنه كان لا يصدق إلا حين يغنّي.

لم يعجب محبّو عبد الحليم بهذا التصريح، واعتبروه اتهاماً للعندليب بأنه شخصية متذبذبة، في حين أنّ المقصد كان مديحاً صافياً، إذ إنّ العندليب لم يفعل شيئاً في حياته غير الغناء، وبذلك كان صادقاً على الدوام.

إقرأ أيضاً: ميشال المرّ ومارسيل غانم: شكراً.. بعيداً من الأحقاد

الأمر نفسه ينطبق على مارسيل غانم، فهو لا يكون صادقاً ومنسجماً مع نفسه ومتألّقاً، حادّاً وصارماً، ناقداً وساخراً، مناكفاً وشرساً ومسايراً، إلا حين يقوم بحواراته مع السياسيين.

 منذ عام 1995، لم يفعل شيئاً سوى ذلك. وهذه ليست مهمّة تنجز في فترة الـ”ويك أند”، بل تستغرق الحياة، كلّ الحياة. وبذلك، يصعب أن نجد للرجل سيرة خارج عمله.

ما أسّس له من مشهديه مختلفة في ممارسة فنّ المقابلة السياسية، جعل أيّ حدث يجري في فضاء البلد لا يكتسب شرعيته وواقعيته، ويتحدّد أثره، وتنكشف أبعاده ومعانيه إلا حين يعالجه مارسيل في برنامجه.

لم يعد مارسيل إعلامياً عادياً، بل بات صانعاً للإعلام ولأمجاد المحطات التي ينتمي إليها. برنامجه الذي استمرّ لثلاثة وعشرين عاماً على شاشة “المؤسسة اللبنانية للإرسال” كان هو القناة، كلّ القناة

من هنا يسجّل للرجل أنه أخرج الإعلام اللبناني من حالة تلقّي الحدث، وحرّر  الصحافيين والإعلاميين والمحاورين من منطق استجداء المعلومات والأخبار. الضيف مع مارسيل لم يكن صاحب المعلومات ومالك الأسرار ولو كان كذلك فعلاً، بل كان دائماً في وضعية المتهم الذي يجد نفسه مضطرّاً للدفاع عن نفسه، وبثّ المعلومات، وإفشاء الأسرار.

هكذا، فإنّ ما يسمّى بلغة الإعلام “سكوب” يجتهد الإعلاميون في الحصول عليه بات مع مارسيل أسلوبه الاستنطاقي الاتهامي المبنيّ على خلفية دراسته المحاماة وشبكة علاقاته الواسعة مع السياسيين من مختلف التيارات، ما سمح له بتكوين ملفات واضحة ودقيقة، وجعل هذه الخلفية جزءاً أساسياً ومتوقعاً من بنية برامجه.

بذلك، لم يعد مارسيل إعلامياً عادياً، بل بات صانعاً للإعلام ولأمجاد المحطات التي ينتمي إليها. برنامجه الذي استمرّ لثلاثة وعشرين عاماً على شاشة “المؤسسة اللبنانية للإرسال” كان هو القناة، كلّ القناة. كلّ البرامج الأخرى رضيت بأن تنمو بتمهّل تحت ظلاله، وتستمدّ شرعيتها سياسياً من زخمه. ولا يمكن للمرء سوى أن يلاحظ أنّ خروجه من محطة الـ “LBCI”، وانتقاله إلى محطة “mtv” نقل صدارة الحوار السياسي من الأولى إلى الثانية بعد أن كانت فترة احتلالها لهذه الصدارة مرتبطة بفترة عمله فيها.

لا يوجد حالياً في البلد إعلامي يمكنه أن يرفع بنجوميته الخاصة محطة بأكملها سوى مارسيل غانم. وبذلك، فإنّ الرواتب الخيالية التي يُحكى أنّه يتلقّاها قبل الأزمة المالية، والموازنات المفتوحة التي تخصّص لبرامجه، بما تتطلّبه من تجهيزات وفريق عمل واسع، يعتبرها أصحاب المحطات بمثابة استثمار مغرٍ ومربح.

أتاح هذا التمويل السخيّ لبرنامج مارسيل الجديد بأن يخرج في صورة مبهرة. استوديو كبير يصوّر فيه برنامجه الجديد “صار الوقت”، وقادر على احتواء عدد كبير من الجمهور بديكوراته ومساحته الكبيرة، حوّل كلّ حلقة إلى نوع من الاستفتاء الجماهيري الميداني على قضية ما بين الناس والسياسيين.

الشكل الجديد وضع السياسيين في مأزق لأنه وضعهم في مواجهة مباشرة معه ومع الناس، وأجبرهم على التحدّث أمام ضغط الحضور الجسدي للناس، ونظراتهم، وتأييدهم، اعتراضهم وغضبهم.

كلّ حلقة تحوّلت إلى امتحان عسير للسياسيين إذ إنهم يتلقّون أثر ما يطلقونه من آراء ومواقف بشكل مباشر، لا يسمح لهم بتدبيرردود أفعال مدروسة وحياكتها في الغرف المغلقة، بل يضعهم تحت سلطة رأي عام معروف بأنّه لا يرحم.

لقد تجاوز غانم كلّ السقوف المألوفة والمعهودة في مخاطبة السياسيين، رافعاً بذلك سقف الحرية والنقد في البلد إلى سماوات جديدة، لم يكن من الممكن بلوغها قبل أن يطلق الـ”تفه” الشهيرة في وجوههم جميعا بعد تفجير المرفأ

لم يسبق أن شاهدنا برنامجاً لبنانياً حيث يصفّق الناس للسياسيين، أو يشتمونهم ويصرخون في وجوههم مباشرة سوى في برنامج مارسيل الجديد، الذي جاء بعد فترة طويلة من ممارسة الاستجواب المباشر في كلام الناس، حيث كان محاوراً وحيداً.

ذكاء الرجل تجلّى في أنه وزّع نجوميته على الناس في برنامجه الجديد، وأتاح لهم التحدّث، ولم يخف من أن يخلع ثوباً مجرّباً وناجحاً، ولكنه بات قديماً وغير مناسب. واستطاع بذلك أن يكون حليف الثورة وصديق السياسيين في آن واحد، وأن يكون الشخصية التي يعتبر أيّ طرف من الطرفين المتنازعين أنّ تأييده لها من شأنه أن يجعل الكفة تميل إلى جانبه.

استعمل كلّ المفارقات لصالحه، فأيّد الثورة ضدّ حكومة حسان دياب. وفي الوقت نفسه، كانت وجهات نظر الحكومة حاضرة في برنامجه من خلال الشخصيات التي يستقبلها. ولكن حين أطلقت وزيرة الدفاع زينة عكر اتهامات في حقه أجاب عليها بشراسة. وتحوّل التوصيف الذي استعمله، أي وصفه لوزراء الحكومة بـ”وزراء الصدفة”، إلى الوصف المعتمد لهم في الشارع، وعلى ألسنة الكتّاب والمحلّلين السياسيين.

لقد تجاوز غانم كلّ السقوف المألوفة والمعهودة في مخاطبة السياسيين، رافعاً بذلك سقف الحرية والنقد في البلد إلى سماوات جديدة، لم يكن من الممكن بلوغها قبل أن يطلق الـ”تفه” الشهيرة في وجوههم جميعا بعد تفجير المرفأ.

رسم تصريحه غير المسبوق خريطة الخروج من دائرة الخوف، خصوصاً أنّه أدلى به بعد جملة تهديدات طالته وطالت برنامجه وعائلته، ونجح في وضع الإجرام الذي أودى بروح العاصمة في مكانه الاسثنائي عبر موقف استثنائي من شأنه أن يشكّل نهجاً يحدّد من خلال ما أرساه من قواعد، مسار الإعلام اللبناني ومصيره على امتداد المرحلة الآتية على تاريخ البلاد.

مواضيع ذات صلة

لبنان يقاوم “المقاومة”… بالفرح!

يقاوم اللبنانيون بالفرح الظلم المتمثّل بربط بلدهم بحرب غزّة، وهو ظلم ليس بعده ظلم. بل هو جريمة موصوفة في غياب أيّ أفق سياسي لهذا الربط…

تركيا والحلم الأوروبيّ بعد “فاجعة” اليمين المتطرّف

وضع صعود اليمين القومي الأوروبي بعد نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة مسار العلاقات التركية الأوروبية أمام امتحان جديد أكثر صعوبة وتشدّداً، إذ سيشهد الكثير من القلق…

بيروت مدينة الأسرار: نبوءة رفيق ونداء نزار وحبّ درويش

كيفما قلّبتها حبّاً أو بغضاً أو تآمراً، هي بيروت دائماً وأبداً مدينة عصيّة على الكسر والقهر والاختزال. كم مرّة هزّها زلزال عبر التاريخ؟ كم جيشاً…

بروتوكول غولدامائير: الهدف قتل الفلسطيني وليس إنقاذ اليهودي

“تأَمَّلْ هنالِكَ أَنَّى حَصَدْتَ  رؤوسَ الوَرَى وزهورَ الأَملْ وَرَوَّيْتَ بالدَّمِ قَلْبَ التُّرابِ  وأَشْربتَهُ الدَّمعَ حتَّى ثَمِلْ سيجرُفُكَ السَّيْلُ سَيْلُ الدِّماءِ  ويأْكُلُكَ العَاصِفُ المشتَعِلْ” أبو القاسم…