استراتيجيات مواجهة كورونا (3/2): قمع الفيروس.. وشراء الوقت

2020-03-30

استراتيجيات مواجهة كورونا (3/2): قمع الفيروس.. وشراء الوقت


 في الحلقة الأولى، طرحت الدراسة الفرضيات الأساسية لانتشار وباء فيروس الكورونا، وما هي عواقب عدم فعل أيّ شيء، كاستراتيجية هادفة لاكتساب المناعة الذاتية دون أن تدخل، حتى لو مات الملايين. وفي هذه الحلقة، تبيان لخصائص الخيارين الآخرين وهما: التخفيف من وطأة الوباء، أو قمعه. والتركيز خاصة على أهمية الوقت.

الخيار الثاني: استراتيجية التخفيف

يعني التخفيف ما يلي: “إن كان مستحيلاً تجنّب فيروس الكورونا الآن، فلندعه يأخذ مداه، أثناء محاولتنا التقليل من ذروة الإصابات. فلنسطّح منحى الإصابات قليلاً ليكون الوباء أكثر طواعية للتعامل معه من قبل نظام الرعاية الصحية”.

الرسم البياني رقم 5: ذُروات الإصابة والحاجة إلى أسرّة العناية المركّزة في بريطانيا لمختلف إجراءات التباعد الاجتماعي

رسم بياني رقم 5

ورد هذا الرسم البياني في ورقة بحثية مهمة جداً نشرها المعهد الإمبراطوري في لندن في 16 آذار، تحت عنوان: “أثر التدخلات غير الدوائية في تقليص نسبة الوفيات بسبب كوفيد19 ومتطلّلبات العناية الطبية Impact of non-pharmaceutical interventions (NPIs) to reduce COVID19 mortality and healthcare demand”. من حيث الظاهر، هو يدفع حكومتي بريطانيا والولايات المتحدة إلى تغيير مسار التعامل مع الوباء.

إنّه رسم مماثل كثيراً للسابق (المنشور في الحلقة الأولى). ليس هو نفسه، لكنه موازٍ له مفهومياً. هنا، إن وضع “عدم فعل أيّ شيء” هو المنحى الأسود. وكل منحى آخر، هو تعبير عما سيحدث إن طبّقنا إجراءات التباعد الاجتماعي أشدّ فأشدّ. المنحى الأزرق يعرض الإجراءات الأشدّ للتباعد الاجتماعي: عزل المرضى المصابين، والحَجْر على الناس الذين يمكن أن يُصابوا، وضع كبار السنّ في مكان منعزل. ويمثّل هذا الخط الأزرق، بوجه عام، استراتيجية بريطانيا حالياً في مكافحة كورونا، على الرغم من أن الحكومة البريطانية تقترحها فقط ولا تفرضها.

إقرأ أيضاً: استراتجيات مواجهة كورونا (1/3): سنتحرّر خلال أسابيع إذا التزمنا

هنا أيضاً، يمثّل الخط الأحمر، القدرة الاستيعابية لمرضى العناية المركّزة، هذه المرة في بريطانيا. وهذا الخط هو أيضاً قريب جداً من القعر. وكل مساحة المنحى فوق الخط الأحمر، تمثّل مرضى الكورونا الذين سيموتون غالباً بسبب النقص في أسرّة العناية المركّزة.

وليس هذا فقط، بل إنّ عدد مرضى العناية المركّزة سيتراجع لأشهر، أثناء تسطيح المنحى، مع تصاعد الضرر الجانبي (زيادة عدد المتوفين من أمراض أخرى غير الكورونا).

ينبغي ألا تُصاب بالصدمة. عندما تسمع هذه المقولة: “نحن سنقوم بتخفيف وطأة الوباء شيئاً ما”، فإنّه يقول فعلاً: “سنُغرق النظام الصحي، على علم منّا، وسنقود نسبة الوفيات صعوداً نحو عشرة أضعاف في الأقل”.

إن مجرّد تصوّر ذلك هو سيء بما فيه الكفاية. لكننا لم نفعل هذا بعد. والسبب أن الافتراضات المفتاحية لهذه الاستراتيجية تقوم على ما يسمى بـ”المناعة المجتمعية”.

 

المناعة المجتمعية وتحوّل الفيروس

تقوم هذه الفكرة على أن كلّ من يُصاب ثم يُشفى، فهو الآن يتمتع بالمناعة. وهذا هو جوهر الاستراتيجية: “انظر، أعرف أن هذا سيكون صعباً بعض الوقت، لكن متى يصيب الفيروس كل الناس، فيموت بضعة ملايين منهم. فإن البقية سيكونون في حالة مناعة أمام هذا الفيروس، فيتوقف انتشاره، ونقول وداعاً لفيروس الكورونا. وعلى هذا، فمن الأفضل أن يجري الأمر لمرة واحدة، وننتهي منه، لأن البديل هو اعتماد التباعد الاجتماعي إلى ما يقارب السنة، مع المخاطرة بالوصول إلى ذروة من الإصابات في وقت آخر، مهما يكن الحال”.

لكن هذه الاستراتيجية تقوم على فرضية أساسية وهي أن الفيروس لا يتغيّر كثيراً. فإن كان الأمر كذلك، فسيكتسب كثير من الناس المناعة الذاتية، وفي نقطة معيّنة سينتهي الوباء.

فهل يرجّح أن الفيروس يتغيّر؟

يبدو أنه تغيّر فعلاً.

الرسم البياني رقم 6: تحوّلات فيروس الكورونا

رسم بياني رقم 6

يمثّل هذا الرسم البياني مختلف تحوّلات الفيروس. بمقدورك رؤية السلالات الأساسية للفيروس (باللون الأرجواني) في الصين، ثم انتشر بعد ذلك. وفي كل مرة ترى تفرّعاً في يسار الرسم البياني، فهذا يمثّل تحوّلاً يقود إلى متغيّر مختلف قليلاً من الفيروس.

ليس علينا أن نتفاجأ: فالحمض النووي الريبوزي للفيروسات (RNA) مثل الكورونا أو الإنفلونزا، يميل إلى التغيّر حوالى 100 مرة أكثر من الحمض النووي الوراثي (DNA)، على الرغم من أن فيروس الكورونا يتغيّر بأبطأ مما يتغيّر فيروس الإنفلونزا.

ليس هذا فحسب، بل إن أفضل طريقة لهذا الفيروس كي يتحوّل، هو أن يحظى بملايين الفرص لفعل ذلك، وهذا هو بالضبط ما تزوّده به استراتيجية التخفيف من وطأة الوباء: مئات الملايين من المصابين.

لذلك، عليك أن تأخذ لقاحاً ضد الإنفلونزا كل سنة، باعتبار أنه ثمّة سلالات كثيرة جداً للإنفلونزا، ودائماً مع ظهور سلالات جديدة منه. فجرعة واحدة من اللقاح ضد الإنفلونزا لا تكفي لحماية الفرد من كل السلالات.

لنضع المسألة بطريقة أخرى: إن استراتيجية التخفيف من الوباء لا تفترض فقط ملايين الوفيات في بلد مثل الولايات المتحدة أو بريطانيا. بل هي تراهن على أن الفيروس لن يتغيّر كثيراً –في حين أننا نعلم أنه على العكس من ذلك. وستمنحه الفرصة كي يتغيّر. وعلى هذا، إن انتهينا في المرة الأولى، إلى وفاة عدد قليل، فيمكن أن نكون مستعدين لوفاة عدد آخر كل عام. ويمكن أن يصبح فيروس الكورونا واقعاً اعتيادياً في الحياة، مثل الإنفلونزوا، لكن أخطر منه بأضعاف مضاعفة.

إذاً، إن كان كلا الخيارين أي عدم فعل أيّ شيء أو مجرّد التخفيف من وطأة الوباء، غير فعّالين بمواجهة الوباء، فما هو البديل؟ إنه يسمى القمع.

 

الخيار الثالث: استراتيجية القمع

إن استراتيجية التخفيف لا تحاول احتواء الوباء، بل تسعى فقط إلى تسطيح المنحى قليلاً. في المقابل، تحاول استراتيجية القمع استعمال إجراءات ثقيلة لوضع الوباء سريعاً تحت السيطرة. وتتضمّن على وجه الخصوص ما يلي: إبدأْ بمواجهة الوباء بقسوة الآن. مًرْ بالتباعد الاجتماعي الشديد. تحكّم بهذا الوباء. وبعد ذلك، اِرفع هذه الإجراءات حتى يستعيد الناس تدريجياً حرياتهم، وبهذا، يمكنهم استئناف حياتهم الاجتماعية والاقتصادية شيئاً ما.

فكيف سيبدو الأمر؟

الرسم البياني رقم 7: حالات الإصابة بفيروس الكورونا وحالات الوفيات وفق استراتيجية القمع

رسم بياني رقم 7

كل متغيرّات النموذج هي نفسها، باستثناء أن هناك تدخّلاً حواليها الآن لتقليص نسبة نقل العدوى لتكون: R=0.62، وبما أن النظام الصحي لم ينهر، فإن نسبة الوفيات تتراجع إلى 0.6%، وأحدّد “حوالى الآن” بـ32 ألف إصابة تقريباً عندما تطبّق الإجراءات (هذا الرقم هو ثلاثة أضعاف الرقم الرسمي في 19 آذار الجاري). ولاحظْ أن هذا هو حسّاس جداً بالنظر إلى النسبة المختارة لنقل العدوى. فنسبة عدوى 0.98 على سبيل المثال تؤدي إلى 15 ألف وفاة.

وإن كانت نسبة نقل العدوى خمسة أضعاف 0.62، فسيكون عدد الوفيات بعشرات الآلاف لا بالملايين. وهذا أيضاً حسّاس جداً بالنسبة لنسبة الوفيات: فإن كانت نسبة نقل العدوى 0.7% بدلاً من 0.6%، فإن عدد الوفيات سيرتفع من 15 ألفاً إلى 17 ألفاً. إنه اجتماع لمتغيّرات عدة، وهي نسبة أعلى لنقل العدوى، ونسبة أعلى للوفيات، وتأخر في اتخاذ الإجراءات ما يؤدي إلى ارتفاع عدد الوفيات. لذلك نحتاج لإجراءات من أجل خفض نسبة نقل العدوى اليوم. للتوضيح، فإن النسبة الشهيرة لنقل العدوى R0 هي النسبة التي تكون في البدء (أي في الزمن صفر). هي نسبة نقل العدوى عندما لا يكون أيّ فرد قد امتلك المناعة من الفيروس بعد، ولا توجد إجراءات لمكافحته. وR، هي نسبة انتقال العدوى من شخص مصاب إلى الآخرين.

عندما نرفع إجراءات التباعد الاجتماعي، سيظلّ الناس معرّضين للإصابة بالملايين ويموتون

لكن تحت استراتيجية القمع، وبعد انتهاء الموجة الأولى، تكون نسبة الوفيات بالآلاف لا بالملايين.

 لماذا؟ ليس فقط لأننا قطعنا النمو العمودي للحالات، بل لأننا قطعنا أيضاً نسبة الوفيات ما دام أن النظام الصحي لم ينهر بعد بشكل كامل. هنا، أستعمل نسبة وفيات تبلغ 0.9%، وهي حوالى ما رأيناه في كوريا الجنوبية اليوم، والتي كانت فعّالة أكثر باتباع استراتيجية القمع.

يقال هذا وكأنه يندرج عفواً من دون تفكير. على الجميع اتباع استراتيجية القمع. فلماذا تتردّد بعض الحكومات في اتباعها؟

هم يخافون ثلاثة أمور:

الإغلاق الأول سيدوم أشهراً، وهو سيكون غير مقبول لكثير من الناس كما يبدو.

الإغلاق التام لأشهر سيدمّر الاقتصاد.

وهو إلى ذلك، لن يحلّ المشكلة، لأننا نؤخر الوباء وحسب: لاحقاً، عندما نرفع إجراءات التباعد الاجتماعي، سيظلّ الناس معرّضين للإصابة بالملايين ويموتون.

هنا يبرز النموذج الذي أجراه فريق المعهد الإمبراطوري لخيارات قمع الفيروس. فالخطان الأخضر والأصفر هما سيناريوهان مختلفان لقمع الفيروس. بمقدورك رؤية أن الأمر لا يبدو جيداً. ما زالت لدينا ذروات ضخمة من الإصابات، فلماذا الانزعاج؟

 

الرسم البياني رقم 8: استراتيجية قمع الفيروس وفق المعهد الإمبراطوري

رسم بياني رقم 8

سندلف إلى هذه الأسئلة خلال لحظة، لكن قبل ذلك ثمة شيء أكثر أهمية.

هناك إضاعة كاملة للنقطة الجوهرية.

إن خياري التخفيف والقمع كما عُرضا، جنباً إلى جنب، لا يبدوان واعدين. فإما أن يموت كثير من الناس قريباً ولا نؤذي الاقتصاد اليوم، أو نؤذي الاقتصاد اليوم، فقط من أجل تأخير الوفيات.

هذا يتغافل عن قيمة الوقت.

في مقالنا السابق (في 10 آذار)، شرحنا قيمة الوقت في حفظ الحياة. فكل يوم نتأخر فيه في اتخاذ الإجراءات، بل مع أيّ ساعة تأخر، يستمر هذا التهديد المتصاعد عمودياً في الانتشار. رأينا أن يوماً واحداً يمكنه أن يقلّص إجمالي الإصابات بنسبة 40%، ويقلّص أكثر نسبة الوفيات.

لكن الوقت أكثر قيمة حتى من هذا.

نحن سنواجه الموجة الأضخم في التاريخ من الضغط على النظام الصحي، ونحن غير مستعدين إطلاقاً، ونحن نواجه عدواً نجهله. هذا ليس وضعاً جيداً خلال الحرب.

ماذا لو كان عليك أن تواجه أسوأ عدو، ولا تعرف عنه سوى القليل، وليس لديك إلا خياران: إما أن تجري نحوه، أو أن تهرب منه لشراء قليل من الوقت لنفسك. فماذا تختار؟

هذا ما نحتاجه اليوم. لقد أفاق العالم. وكل يوم نؤخّر فيه انتشار الكورونا، يمكننا أثناءه من الاستعداد له على نحوٍ أفضل. والأقسام التالية ستفصّل ما سيشتري لنا الوقت:

خفض حالات الإصابة. إذ إنّه مع قمع فعّال، سينخفض عدد الحالات الحقيقية بين ليلة وضحاها كما رأينا في هيوباي الصينية.

الرسم البياني رقم 9: استراتيجية القمع في هيوباي

رسم بياني رقم 9

اليوم، أصبحت الحالات الجديدة صفراً في كل منطقة هيوباي التي يسكنها 60 مليون شخص.

ستبقى الفحوصات لأسبوعين آخرين، لكنّ ستبدأ عمليات الفحص هي أيضاً بالانخفاض. ومع حالات أقل، سينخفض عدد الوفيات أيضاً. وسيتقلّص كذلك حجم الضرر الجانبي: سيموت عدد أقل من الناس بغير فيروس الكورونا أي بسبب إغراق النظام الصحي ببساطة.

ويمنحنا قمع الفيروس:

أعداداً أقل من حالات الإصابة بالكورونا.

إنعاشاً فورياً للنظام الصحي وللعاملين فيه.

تقليلاً لنسبة الوفيات.

وتقلّصاً في الضرر الجانبي.

ومع قدرة المصابين والمعزولين والمحجور عليهم من العاملين في النظام الصحي على التحسّن والعودة إلى العمل. ففي إيطاليا يمثّل المصابين من العاملين في النظام الصحي 8% من إجمالي الإصابات.

 

فهم المشكلة الحقيقية: الفحص والتعقّب

الآن، لا تملك بريطانيا ولا الولايات المتحدة أيّ فكرة عن عدد الإصابات الحقيقية فيهما. لا نعلم حجم الإصابات. نعلم فقط أن الرقم الرسمي غير صحيح، وأن الرقم الحقيقي يصل إلى مئات الآلاف من الحالات. وذلك كله، لأننا لم نكن نفحص، ولم نكن نتعقّب.

في خلال أسابيع قليلة، يمكننا تنظيم وضعنا بشأن فحص الحالات، والبدء بفحص الجميع. ومع هذه المعلومة، يمكننا أخيراً معرفة المدى الحقيقي للمشكلة، أين نحتاج  للتدخل على نحوٍ أكثر عدائية ضد الفيروس، وأيّ مجتمعات هي آمنة وينبغي رفع الإغلاق عنها.

إن الطرائق الجديدة للفحص يمكن أن تسرّع العملية وتخفّض الكلفة على نحوٍ أساسي.

ويمكننا أيضاً إطلاق عملية تعقّب مثل التي في الصين أو البلدان الآسيوية الشرقية الأخرى، بحيث يمكن تحديد كل الأفراد الذين التقى بهم المُصاب، ويمكننا وضعهم في العزل. وسيمنحنا هذا كمّاً هائلاً من المعلومات لاستعمالها لاحقاً في إجراءات التباعد الاجتماعي: فإن كنا نعلم مكان الفيروس، فيمكننا تالياً استهداف تلك الأماكن فقط.

كل هذه هي إجراءات رخيصة الثمن لتقليص نسبة العدوى. فكلما قلّ انتشار الفيروس، تطلّب ذلك إجراءات أقل في المستقبل لاحتوائه. لكن نحتاج الوقت لتعليم الناس كل هذه الإجراءات وتجهيزهم

ليس هذا علم الصواريخ: بل هي القواعد التي جعلت دول شرق آسيا تتمكّن من التحكّم بالوباء من دون أيّ نوع من الإجراءات القسرية للتباعد الاجتماعي، والتي هي أساسية باضطراد في بلدان أخرى.

إن الإجراءات المتبعة من هذا القسم (الفحص والتعقّب) أدّت وحدها إلى خفض منحنى نمو فيروس الكورونا في كوريا الجنوبية، ووضعت الوباء تحت السيطرة، من دون فرض قوي لإجراءات التباعد الاجتماعي.

 

بناء القدرة

إن الولايات المتحدة (وبريطانيا افتراضاً) بصدد الذهاب إلى الحرب من دون درع.

لدينا أقنعة لأسبوعين فقط، وأجهزة حماية قليلة (“PPE”)، لا عدداً كافياً من أجهزة التنفّس الاصطناعي، ولا أسرّة كافية للعناية المركّزة، ولا أجهزة أوكسجين كافية ECMO))…ولهذا ستكون نسبة الوفيات عالية جداً في استراتيجية تخفيف وطأة الوباء.

لكن إن اشترينا لأنفسنا بعض الوقت، فيمكننا قلب المسار:

نحتاج وقتاً أكثر لشراء التجهيزات التي نحتاجها لموجة وباء مستقبلية.

يمكننا إطلاق إنتاجنا للأقنعة وأجهزة الحماية، وأجهزة التنفّس الاصطناعي، وأجهزة الأوكسجين، وأيّ جهاز حسّاس آخر لتقليص نسبة الوفيات.

لنضع الأمر بطريقة أخرى: لا نحتاج سنوات للحصول على الدروع، بل نحتاج أسابيع فقط. لنفعل كل ما بوسعنا لرفع مستوى إنتاجنا الآن. البلدان تحرّكت. الناس يُبدعون، كاستخدام الطبعة الثلاثية الأبعاد لأجزاء أجهزة التنفّس الاصطناعي. يمكننا فعل ذلك. لكن نحتاج وقتاً أكثر. فهل ننتظر أسابيع قليلة للتزوّد ببعض الدروع قبل مواجهة عدو قاتل؟ 

هذه هي القدرة الوحيدة التي نحتاجها. سنحتاج عاملين صحيين بأقرب وقت ممكن. من أين نأتي بهم؟ نحتاج إلى تدريب الناس لمساعدة الممرّضات، ونحتاج إلى استعادة عاملين صحيين من نظام التقاعد. كثير من البلدان بدأت ذلك فعلاً، لكن هذا يتطلّب وقتاً. يمكننا فعل ذلك في أسابيع قليلة، وإلا سينهار كل شيء.

 

عدوى عامة أقل

الجمهور خائف. فيروس الكورونا جديد. لدينا الكثير مما لا نعرفه عنه بعد! لم يتعلّم الناس بعد وقف المصافحة باليد. ما زالوا يعانقون. لا يفتحون الأبواب بمرافقهم بدلاً من أيديهم. لا يغسلون أيديهم بعد لمس مَسْكة الباب. لا يعقّمون المكاتب قبل الجلوس.

عندما نحصل على عدد كافٍ من الأقنعة، يمكننا استعمالها خارج النظام الصحي كذلك. أما الآن، فمن الأفضل الحفاظ عليها من أجل العاملين في النظام الصحي. لكن إن لم تكن الأقنعة نادرة، فيجب ارتداؤها في الحياة اليومية، من أجل أن يكونوا أقل احتمالاً لإصابة آخرين بالفيروس عندما يمرضون. وبتدريب ملائم يمكن تقليص عدد الإصابات لدى لابسي الأقنعة، (لبس شيء أفضل من عدم لبس أيّ شيء).

كل هذه هي إجراءات رخيصة الثمن لتقليص نسبة العدوى. فكلما قلّ انتشار الفيروس، تطلّب ذلك إجراءات أقل في المستقبل لاحتوائه. لكن نحتاج الوقت لتعليم الناس كل هذه الإجراءات وتجهيزهم.

 

فهم الفيروس

نعلم القليل جداً عن الفيروس. لكن في كل أسبوع تصدر أبحاث جديدة.

الرسم البياني رقم 10: سرعة الأبحاث عن فيروس الكورونا

رسم بياني رقم 10

اتحد العالم أخيراً ضد عدو مشترك، تنشط الأبحاث حول العالم لفهم هذا الفيروس على نحوٍ أفضل.

كيف ينتشر الفيروس؟

كيف يمكن إبطاء انتقال العدوى؟

كم هو حجم الحاملين للمرض دون أن تكون لديهم أعراض؟

هل هم ناقلون للفيروس؟ كم هو حجم العدوى؟

ما هي العلاجات الناجعة؟

كم يبقى الفيروس نشطاً؟

على أيّ أسطح؟

كيف تؤثر مختلف إجراءات التباعد الاجتماعي في نسبة نقل العدوى؟

ما هي كلفة هذه الإجراءات؟

ما هي السُّبُل الأفضل للتعقّب؟

إلى أيّ حدّ يمكن الثقة بالفحوص التي نقوم بها؟ 

إن تقديم الإجابات الواضحة على هذه الأسئلة سيساعد على اعتماد إجاباتنا قدر الإمكان أثناء تقليل الضرر الجانبي الاقتصادي والاجتماعي. وسيكون ذلك خلال أسابيع لا سنوات.

إيجاد العلاجات

ليس هذا فحسب، وماذا لو وجدنا علاجاً في الأسابيع القليلة المقبلة؟ كل يوم نكسبه يقرّبنا أكثر من إيجاد العلاج. الآن، ثمة أكثر من مرشّح ليكون علاجاً، مثل فافيرافير (Favipiravir) وكلوروكين (Chloroquine) والكلوروكين ممزوجاً مع الأزيثروميسين (Azithromycin). ماذا لو تطلّب الأمر شهرين لاكتشاف العلاج من فيروس الكورونا؟ كم سنبدو أغبياء حين ذلك لو كان لدينا ملايين الموتى باتباع استراتيجية التخفيف من وطأة الوباء؟ 

 

فهم معادلة الأثمان والمنافع

كلّ هذه العوامل المشار إليها آنفاً يمكن أن تساعدنا لحفظ سلامة ملايين الأفراد. وينبغي أن يكون هذا كافياً. لسوء الحظ، لا يمكن للسياسيين أن يفكّروا فقط بسلامة المصابين فقط، إذ عليهم أن يفكّروا أيضاً بكل الناس، في حين أن إجراءات التباعد الاجتماعي تؤثر في الآخرين غير المصابين.

ليس لدينا الآن أيّ فكرة عن نتائج إجراءات التباعد الاجتماعي في التقليل من العدوى. ولا لدينا أيّ إشارة عن حجم الأثمان الاقتصادية والاجتماعية لهذه الإجراءات.

أليس من الصعب قليلاً اختيار أيّ إجراءات نحتاجها عندما لا نعلم تكلفتها أو منفعتها؟

أسابيع قليلة تمنحنا الوقت الكافي لدراسة تلك الإجراءات، وفهمها، وتصنيفها من حيث الأولوية بينها، واتخاذ القرار بشأن اعتماد أيّ إجراء منها.

تسجيل حالات إصابة أقلّ، وفهم أكثر للمشكلة، وتكوين مخزون الأجهزة، وفهم الفيروس، وفهم المعادلة بين الأثمان والمنافع لمختلف الإجراءات، وتعليم الجمهور…هذه هي بعض الأدوات الجوهرية لمحاربة الفيروس، ونحتاج فقط لأسابيع قليلة لتطوير بعض هذه الأدوات. أليس من الغباء الالتزام باستراتيجية ترمي بنا، دون أن نكون مستعدين، داخل فكّي عدونا؟ 

 

في الحلقة الثالثة غداً: شرح لاستراتيجية حقيقية لقمع الفيروس، أسماها الكاتب “المطرقة والرقصة”.

 

لقراءة المقال في ميديوم اضغط هنا

مواضيع ذات صلة

أيّها اللبنانيّون.. إلى الكمّامة  دُرْ

أعلن وزير الصحة فراس أبيض ارتفاع النسبة الموجبة لفحوص كورونا إلى 2 .14% بعدما كانت تراوح في بداية شهر كانون الأول الفائت بين 5.5% و6%….

كورونا يعود بقوّة: زيادة الوفيات 78% في الشرق الأوسط

قالت منظمة الصحة العالمية أمس الأول (الثلاثاء) إنّ حالات الإصابة بفيروس كورونا تضاعفت ثلاث مرّات في جميع أنحاء أوروبا خلال الأسابيع الستة الماضية، وهو ما…

الكورونا مجدّداً في لبنان: هل “ينفجر” في تموز؟

كورونا.. جدري القردة.. التهاب الكبد الوبائيّ. يبدو أنّ البيئة المجتمعية والصحيّة في لبنان تساعد على تكاثر الفيروسات. دخل “جدري القردة” لبنان عبر حالة وافدة من…

“أنت البطل في معركة الوباء”.. كواليس كورونا الصينية

“أنت البطل في معركة الوباء” (To fight against covid-19, you are the hero) هو عنوان كتاب يعود بنا إلى بداية أحداث انتشار وباء فيروس كورونا في…