سعد الحريري يداري “ضعفنا” بضجيجه

 

ليس ثمة ما يستوجب الحديث أو يستأهله في ذكرى رفيق الحريري لهذا العام، ليس لأن الرجل لا يستحق سنوات من الكتابة والنقاش وعقود من التمعّن والتبصّر، بل لأننا صرنا نُفاضل بينه وبين ورثته، تمامًا كمن يقارن بين جبل وبين وادٍ سحيق، لنعود ونشعر بأننا لا نزال أسرى اللحظة التي شُطب فيها، وكأنها لحظة مزيفة، أو هاجس نأبى أن نُصدّقه أو نُصادق على مفاعيله الكارثية والمتدحرجة.

حين همّ القاتل بشطبه كان يدرك أن كلفة ازاحته، مهما تعاظمت، ستكون أقل بما لا يُقاس من كلفة بقائه، وهذا ما بدا واضحًا على مدى عقدٍ ونيف، حيث لا شيء يوازي خسارته على الإطلاق، وهي خسارة تجاوزت كل المنزلقات والكبوات والأزمات التي عصفت بالبلد، ووصلت إلى ما يشبه المأزق الوجودي واليأس المركب، وكأن هذه البلاد قد تحولت مذاك إلى سجن كبير.

قُتل رفيق الحريري في ذروة نضوجه السياسي والوطني، بعد تجربة مهولة بدأها بفكرة جزيلة تقوم على الأولوية المطلقة للاقتصاد، باعتبار أنّها المنفذ المرن والمستساغ لتذويب الخلافات والحساسيات اللبنانية المزمنة والمفرطة، لكنه عاد واصطدم بواقع سياسي وعسكري وتوسعي شديد الصلابة والتغوّل والتعقيد، وهو واقع يتجاوز الوضع الداخلي إلى مختلف مشاريع النفوذ الناعم والخشن على مستوى المنطقة والعالم، وعلى رأسهم قطعًا النظام السوري والثورة الإيرانية التي تمّ تصديرها بثوب حزب الله، ولا شك هنا على الإطلاق أن القرار 1559 شكل المدماك الأساس لقتله، بكونه صفعة كبرى ومتعدّدة الأوجه والجوانب لمجموعة وازنة من اللاعبين الكبار، حيث إنه القرار الأممي الأول الذي يعترف بسيادة لبنان واستقلاله، وبنهائية كيانه وحدوده وحقيقته التاريخية والجغرافية، وبالشرعية الحصرية للدولة ولأجهزتها الأمنية والعسكرية في مقابل الأحزاب والمليشيات المدجّجة بالسلاح تحت عناوين المقاومة وغيرها.

الحريرية فقدت برحيل مؤسسها أبرز مقومات استمراريتها وتألقّها، ثم تحوّلت مع ورثته من عنوان دائم للتميّز والنجاح، إلى مزيج فظيع من التخبّط والعشوائية والفشل

راهن رفيق الحريري يومذاك على تحويل لبنان إلى منصة متقدّمة للخدمات في المنطقة برمتها، بحيث يكون مصرف العرب وفندقهم ومطعمهم ومصيفهم ومشفاهم ومتنفسهم الدائم، وقد أنجز في هذا الإطار ما يفوق قدرة أي شخص على انجازه، معتمدًا على علاقاته الواسعة، وعلى نجاحه، عن قصد أو غير قصد، ببناء صورته الأسطورية في أذهان الناس، بوصفه خشبة خلاص وحجر زاوية في الانتقال الطبيعي نحو مستقبل أكثر وضوحًا وازدهارًا، لكن هذا كله استند أولاً إلى أهليته في لعب هذا الدور، وإلى فريق عمله الذي ضمّ كوكبة من أعقل الناس، وأحكمهم، وأكثرهم قدرة على الإنجاز والابتكار.

هذا بحدّ ذاته شكّل الوصفة السحرية للحريرية الوطنية، التي استندت إلى أفعال ملموسة ونجاحات متعاظمة، بدأت مع تفوّق استثنائي لرفيق الحريري في إدارة مؤسساته وتشييد إمبراطوريته، حتى صارت واحدة من الأزهى والأكبر على مستوى المنطقة والعالم، ثم استمرت مع مشروع شامل ومتكامل أعاد إنتاج صورة لبنان ودوره ووظيفته، وصولاً إلى الاشتباك السياسي الذي استحال طنيّن من المتفجرات في نهاية المطاف.

قُتل رفيق الحريري لأجل كل هذا وأكثر، وقد تعمّدت الحريرية بدمه فبدت في لحظاتها الأولى أشهى وأعمق وأكثر قدرة على الانتشار، لكن التجربة أفرزت عكس ذلك، إذ إنّها راحت تضمحلّ وتتصحّر، ولا حاجة لتفنيد الأسباب والكبوات التي يعرفها القاصي والداني، لكن يكفي أن نخرج بخلاصة واضحة، مفادها أن الحريرية فقدت برحيل مؤسسها أبرز مقومات استمراريتها وتألقّها، ثم تحوّلت مع ورثته من عنوان دائم للتميّز والنجاح، إلى مزيج فظيع من التخبّط والعشوائية والفشل.

يُتمتم سعد الحريري بكلام متوتر وغير مفهوم، ويعدنا في كل مرّة بخطاب، ونحن بدورنا ننتظره، لا لنربّت على كتفه، بل لنخبره للمرة الألف أنه قوّالٌ ليس بفعّال، يداري “ضعفنا” بضجيجه.

 

إقرأ أيضاً

رفيق الحريري والمسيحيون… الفهم المتأخّر

  لكم هي شديدة الحاجة اليوم إلى رفيق الحريري لجمع أطراف الوطن! كان الرئيس الشهيد رابطاً بين لبنان ولبنان رُغم أنّ علاقته ما كانت سهلة…

طرابلس: كلن يعني كلن.. إلاّ “رفيق”

  تمتلك طرابلس ذاكرة تنبض بالحبّ والوفاء والحنين وبالثناء والتقدير لرفيق الحريري، قلّما امتلكتها مدينة أخرى، وعبـّرت عنها في مختلف المحطات، قبل الاستشهاد وبعده، بدون…

الثنائي في النبطية وقوّة الثورة

  فاطمة ترحيني تشهد محافظة النبطية مواجهة جديدة، أشبه بصراع دائم، بعدما استطاع جزء من أهل المدينة وقراها الاعتراض على “حزب الله” و”حركة أمل” وكل…

في وداع الحريرية؟

  هل سيستمر رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في السياسة أم لا؟ يصعب افتراض أن أحداً يملك إجابةً عن هذا السؤال، حتى عند الحريري نفسه،…