ناس 14 آذار حين ينتفضون على أوليغارشييها

 

دخلت الجمهورية الثانية، القائمة في الأساس على تطويع الوصي السوري لاتفاق الطائف، ورعاية نقمة الطوائف “التوافقية” على بعضها البعض، دخلت غرفة الإنعاش فور جلاء جيش الوصاية، هذا الجلاء المقرون بالاغتيالات المتسلسلة قبله وبعده، وفي طليعتها جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

وسّعت الاغتيالات المتسلسلة، والتموقع على خلفيتها، من الشقاق بين اللبنانيين، بالاتصال مع قضية الكشف عن الجناة وتعقبهم ونشدان معاقبتهم – وفي أقل الايمان وقف المسلسل الإجرامي الذي تواصلت حلقاته طوال ثماني سنوات. كذلك وسّعت تجربة حرب تموز الشقاق بين اللبنانيين، فذاكرتهم فيها اختلفت بشكل جذري مع التفاوت النوعي في السردية والتهديد الوجودي والألم والمواجهة، طالما أنّ العدوان استهدف بشكل وحشي مركّز، لأكثر من شهر، مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية، أي الجغرافيا السكانية الشيعية بشكل أساسي، وسجن الأخصام السياسيون لـ”حزب الله” أنفسهم، أكثر من اللازم بكثير وقتها، في سؤال: “من أعطى الذريعة؟”. سؤال ووجه في المقابل بارتياب شيعي واسع من أخصام “حزب الله” هؤلاء، ومن كونهم يتواطؤون مع أميركا واسرائيل في العدوان عليهم. وما كادت حرب تموز تضع أوزارها حتى اجتمع الشقاقان الأهليان الخطيران، سواء المتأتي من تواصل الاغتيالات ضد المناوئين لنظام دمشق وغلبة “حزب الله” كمرشح لدور الوصي من بعده، أو المنبعث من الانشطار الخطير بين اللبنانيين، وغير المحكي إلى حدّ كبير بشكل جدّي بعد، ذلك على خلفية مواقفهم ومواقعهم وتجاربهم ومشاعرهم غداة الحرب العدوانية في تموز.أدّى اجتماع الشقاقين، مع تفاوت كبير جداً على مستوى تمركز العنف في الداخل اللبناني، بين حزب الله وامتداداته، وبين المناوئين له، إلى سنوات طويلة من الاحتكاك الخشن، فالتصادم غير المتكافئ، فتجارب ربط النزاع، إلى أن انتقلت الجمهورية الثانية من غرفة الإنعاش إلى الموت السريري، في تلك المساحة المتضائلة من الزمن، بين إعادة تجديد مجلس نواب 2009 لنفسه بحجة عدم اهتدائه لقانون انتخاب جديد، وبين الدخول في فراغ رئاسي طويل، وفي الموازاة، توقّف مسلسل الاغتيالات الإجرامي أواخر العام 2013، مع اغتيال الوزير محمد شطح.

التحالف الاستقلالي كان تحالفاً تحت قيادة جزء أساسي من الأوليغارشية اللبنانية، للأنتلجنسيا وفئات البرجوازية الصغيرة فيه دورٌ حيويٌ، لكنّه أخذ يتضاءل مع الوقت

مع انتقال الجمورية الثانية من غرفة الإنعاش إلى حالة الموت السريري، دخلت التجربة التحالفية المستظلة لعنوان رمزي هو “14 آذار” في مرحلة تفسّخها ثم تحللها. هذا بعد سنوات من جرجرة أزمتها الداخلية المتصاعدة بعد الاختلاف الفعلي في قراءة أسباب هجمة 7 أيار 2008 ونتائجها، وفي تأويل ما ينبغي فعله بعد صلح الدوحة. مع أنّ تلك الأزمة لم تفتح على مصراعيها، إلاّ بعد نجاح قوى 14 آذار في انتزاع الأكثرية البرلمانية في انتخابات حزيران 2009.

مع الافتراق حول مسودّة القانون الأرثوذكسي بين “المستقبل” و”القوات” عام ٢٠١٣، دخلت 14 آذار في مرحلة تحلل تحالفها الجبهوي، وانساقت أطرافها الأساسية في لعبة “خطرة” سترسي في النهاية على “تفاهم معراب” بين “القوات” وميشال عون من ناحية، وعلى “التسوية الرئاسية” بين سعد الحريري وميشال عون من ناحية ثانية. بالتوازي، كانت الجمهورية الثانية تدخل في الوقت نفسه، عهد محاولة إنعاشها واختتامها. إنعاشها بمقال التسوية، المطعّمة نأياً بالنفس، وبإقرار قانون النسبية بالصوت التفضيلي، وإجراء الانتخابات على أساسه، بشكل قضى نهائياً على أيّ فكرة تحالفية شاملة بين لفيف 14 آذار، مثلما أجهز تماماً على أيّ وهم حول “تفاهم معراب”. كانت النتيجة أنّ 14 آذار السياسية لم تعد موجودة من حيث هي كذلك، فيما حصدت 8 آذار أكثرية المقاعد. كانت الأولوية وقتها عند “المستقبل” هي الاحتفاظ بأكثرية المقاعد السنية، وكان التركيز عند “القوات” على مضاعفة عدد أعضاء كتلتها البرلمانية، وكان الشغل الشاغل لوليد جنبلاط هو احتفاظه بقيادة الشطر الجنوبي من جبل لبنان. أما النتيجة الكلية فأوصلت إلى امتناع أيّ خرق للثنائي الشيعي في دوائره، ونيل 8 آذار عام 2018 ما عجزت عنه عام 2009: الأكثرية البرلمانية. مع أنّ 8 آذار كانت عدلت عام 2018 عما جاهرت به عام 2009 من شعار إعادة تشكيل السلطة، بل وأخذت تنكر أنّها من حصد الاكثرية عندما سلطت وسائل الإعلام الغربية على ذلك.. إلى أن توجّب عليها استخدام هذا الواقع البرلماني في الأشهر الأخيرة، للإتيان بحكومة حسان دياب.

مضى أكثر من سبع سنوات على انفراط عقد تحالف قوى 14 آذار. خلال هذه الفترة زاد الشقاق بين 14 آذار من فوق وبين 14 آذار من تحت. طالما كانت 14 آذار من فوق تحتاج إلى تجديد مشروعيتها الشعبية، أقلّه مرة واحدة في التحشيد الجماهيري كل عام، وتحتاج إلى دور له مساحته من التميّز، تمارسه “النخب الوسيطة”، من مثقفين وإعلاميين وكوادر وناشطين وأعيان محليين، فكان هناك حدّ أدنى من التماسك في التحالف الجبهوي. لكنّه تماسك معقود دائماً على قاعدة طبقية. فالتحالف الاستقلالي كان تحالفاً تحت قيادة جزء أساسي من الأوليغارشية اللبنانية، للأنتلجنسيا وفئات البرجوازية الصغيرة فيه دورٌ حيويٌ، لكنّه أخذ يتضاءل مع الوقت. فيما الجماهير أخذت تنتقل تدريجياً من وضعية المصدر السنوي للشرعية إلى وضعية تستغني فيها 14 آذار من فوق، 14 آذار الأوليغارشية، عن هذا المصدر، بعدما عمدت إلى تأطيره وترويضه. وهو ما دأبت عليه في الأساس من يوم 14 آذار 2005 نفسه. 14 آذار البرجوازية الصغيرة و14 آذار الطبقات الشعبية سلمتا أمرهما مطوّلاً لـ14 آذار الأوليغارشية بكافة تنويعاتها، واحتفظتا بـ”الحقّ في النقمة المؤجلة”، تحت وابل من الأوهام “الاستنهاضية” لذلك اليوم غير المسبوق بعد في تاريخ الفعل الجماهيري بلبنان، يوم 14 آذار 2005. غير المسبوق، إنّما غير المتكافئة فيه العلاقة أبداً، بين قيادة 14 آذار الأوليغارشية للتحالف، وبين الموقع التابع للأنتلجنسيا، والإخضاع المنهجي لجماهير هذه الحالة. واحد من عناصر تمكين هذه التبعية وهذا الخضوع هو بثّ فكرة أنّ القضية الاجتماعية مؤجّلة في البلد إلى ما بعد حلّ مسألة سلاح “حزب الله” وكل القضايا ذات الصلة أيضاً. كل هذا من دون النظر مرة واحدة إلى الواقعة الأساسية، وهي أنّه خلال الفترة نفسها التي كانت فيها سيطرة حزب الله تتمدد، كانت أرباح المصارف تزداد، وهذا أمر كان يمكن التخفيف من جسامته عندما كان البلد لا يزال يسجّل معدلات نمو، لكنّه انتقل إلى منتهى الخطورة عندما آثر النظام المالي اللبناني الحفاظ على أرباح المصارف خلال فترة الركود الاقتصادي العام.

الجمهورية الثانية، الأوليغارشية بامتياز، جمهورية أمراء الحرب وكبار المصرفيين وكبار المقاولين، أي “حكم القلة المنقسمة حول نفسها”، انتقلت من موتها السريري إلى موتها المقبري ليل 17 تشرين

لم يؤدّ تأجيل القضية الاجتماعية، قضية التفاوت الطبقي العنيف بين اللبنانيين، إلى تجذير العمل السيادي الاستقلالي. بالعكس. قاده إلى ربط نزاع تبعي لمصلحة قوى الممانعة، وإلى انطوائية عدوانية يتقوّى بها كل فصيل حزبي من 14 آذار، باحثاً عن تسييج “منطقة راحته”.

لم تستطع 14 آذار الشعبية الاستقلال عن ١٤ آذار الأوليغارشية، لكنّ نقمتها على الأخيرة أخذت تتحوّل إلى واقع همسي، فجهري من سنة إلى الأخرى. كانت فكرة “المجلس الوطني لمستقلّي 14 آذار”، برئاسة المرحوم سمير فرنجية، واحدة من محاولات الاستقلال غير الناجز لكنّه لم يكن مقدرّاً لها الالتئام إلا مرّة واحدة. تبيّن سريعاً أنّ 14 آذار الشعبية لا يمكن أن تحقّق نفسها في ذاتٍ سياسية مستقلة جامعة إلاّ بإثارة المشكلة التي قمعتها 14 آذار نفسها، وقبلها قمعتها التجربة السياسية اللبنانية ككل: إقصاء الطبقات الشعبية عن التمثيل السياسي الذي يعكس حقيقتها الاجتماعية هي كطبقات شعبية.

مع هذا يمكن ايجاد الأرشيف اللازم لكتابة تاريخ حياة وموت “14 آذار الشعبية” المختلفة عن “14 آذار الأوليغارشية”. وهو تاريخ تطوّر العلاقة بين 14 من فوق ومن وسط ومن تحت. في هذا التاريخ، 17 تشرين الأوّل 2019 مفترق حاسم: بدءاً من هذا اليوم صار وفاء 14 آذار الشعبية لنفسها، لتضحياتها، لأحلامها، لصوابية موقفها المضاد للوصاية السورية، للاغتيالات المتسلسلة الاجرامية، للقمع الرهيب لثورة السوريين، للغلبة الفئوية في الداخل اللبناني، يستوجب عدم تأجيل القضية الاجتماعية إلى ما بعد تلك السيادية، التي مسختها أوليغارشية 14 آذار انطلاقاً من إثم هذا التأجيل. صارت القضية واحدة: اجتماعية ووطنية. فالجمهورية الثانية، الأوليغارشية بامتياز، جمهورية أمراء الحرب وكبار المصرفيين وكبار المقاولين، أي “حكم القلة المنقسمة حول نفسها”، انتقلت من موتها السريري إلى موتها المقبري ليل 17 تشرين. والجمهورية الثالثة لا يمكن أن تولد من أحشائها. ولهذا سبيلها إلى الولادة ينبثق بالتراكم البدائي للممارسات الاحتجاجية والانتفاضية المتواصلة، وصولاً إلى قيام جمهورية بمستطاعها إحياء عقد اجتماعي يسمح بنقلة نوعية على مستويين في وقت واحد: تخفيف نوعي من حدّة تمركز الثروة في لبنان بين قلّة، وتخفيف نوعي من حدّة تمركز العنف الموازي لمنظومة العنف الشرعي بين فئة دون سائر الفئات. هذا الربط لا يمكن أن يحدث إلاّ من خلفية 14 آذارية، ما بعد 14 آذارية: من 14 آذار الشعبية المتجاوزة لنفسها في الانتفاضة الشعبية. ليس فقط من موقع الوفاء لتاريخ من التضحيات والشهداء، بل أيضاً من موقع النقد التهديمي، أجل التهديمي، لذلك الوهم القاتل، وهم تأجيل القضية الاجتماعية، قضية تحسين شروط الحياة للعدد الأكبر من الناس، مقرونةً بتقليل الفوارق الاجتماعية، إلى ما بعد تحقيق الأحلام السيادية. أحلام تصبح أضغاث أوهام حين تفتقد إلى حاملها الاجتماعي، سواء استغنت عن هذا الحامل أو ألزمته بالتبعية المستدامة لأشكال أكل عليها الدهر وشرب من الزعامة.

 

إقرأ أيضاً

رفيق الحريري والمسيحيون… الفهم المتأخّر

  لكم هي شديدة الحاجة اليوم إلى رفيق الحريري لجمع أطراف الوطن! كان الرئيس الشهيد رابطاً بين لبنان ولبنان رُغم أنّ علاقته ما كانت سهلة…

طرابلس: كلن يعني كلن.. إلاّ “رفيق”

  تمتلك طرابلس ذاكرة تنبض بالحبّ والوفاء والحنين وبالثناء والتقدير لرفيق الحريري، قلّما امتلكتها مدينة أخرى، وعبـّرت عنها في مختلف المحطات، قبل الاستشهاد وبعده، بدون…

الثنائي في النبطية وقوّة الثورة

  فاطمة ترحيني تشهد محافظة النبطية مواجهة جديدة، أشبه بصراع دائم، بعدما استطاع جزء من أهل المدينة وقراها الاعتراض على “حزب الله” و”حركة أمل” وكل…

في وداع الحريرية؟

  هل سيستمر رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في السياسة أم لا؟ يصعب افتراض أن أحداً يملك إجابةً عن هذا السؤال، حتى عند الحريري نفسه،…