في ذكرى “الرفيق”.. أحرارٌ نصنع دولتنا

 

تحضر هذه الأيام الذكرى الخامسة عشرة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري. وهي ذكرى باقية لدى اللبنانيين والعرب والعالم وفي معانٍ عدّة. هناك الذكرى في قلوب أو أخلاد الذين عرفوه شخصياً، وهي شديدة الإيلام، ويختلط فيها الخاصّ بالعامّ. لأنّها إضافةً إلى الإعزاز والتعلُّق، ترتبط في الوعي والأحاسيس بالآمال الكبرى التي علّقتْها على رؤيته وحضوره وقدراته كثرةٌ كاثرةٌ من عارفيه ومن المواطنين ومن العرب والشخصيات العالمية، ولجهتي المعرفة والصداقة (وقد كان شديد الوفاء لها)، كما ترتبط باستنقاذ لبنان وتحريره من أزماته الموروثة والمستجدة نتيجة الهيمنة السورية، والسلاح غير الشرعي. وهي ذكرى شديدة الخصوصية ليس لدى أُسرته فقط، بل ولدى كل أولئك الذين فقدوا أعزّاء لهم في الاغتيالات ووجوه الاضطراب التي استمرت بعد الخروج السوري بحيث أيقن من بقيت لديه شكوكٌ وتساؤلاتٌ، أنّ السلاح غير الشرعي سيظلُّ مسلَّطاً على أعناقهم وحرياتهم آماداً متطاولة. وأخيراً وليس آخِراً فإنّ المعنى الثالث لبقاء ذكرى الاغتيال الشائن حية، له جوانب متعددة: جانب الإحساس العميق بالظلم الذي نزل برفيق الحريري شخصاً وأُسرةً ودوراً ووطناً، وجانب المراجعة للمسار الوطني بعد استشهاد الرئيس، وماذا فعل وأنجز أهل السياسة والوطنية في لبنان، وماذا فعل الذين قتلوا الحريري والذين أيَّدوهُم، حتى أوصلوا البلادَ والعبادَ إلى الأوضاع التي هي عليه اليوم. والجانب الثالث: ما الذي يمكن فعله على المستوى الوطني أولاً، والإسلامي ثانياً، لجعْل الخروج من المأزق الهائل الذي نحن فيه، ممكناً أو يُستطاعُ التفكير فيه.

من مفاعيل وآثار استشهاد الرئيس رفيق الحريري: النهوض الوطني الذي أخرج الجيش السوري من لبنان، و قيام حركة 14 آذار أو ثورة الأرز

اللبنانيون، وبخاصةٍ أهل الحريرية السياسية، يقولون عند كلّ سقطةٍ أو وهْدة: ماذا كان رفيق الحريري ليفعل لو كان حاضراً؟ وهناك فريقٌ كبيرٌ من اللبنانيين والعرب يرى أنه لا فائدة من هذا السؤال، لأنّ الوضع تغير تغيراً جذرياً، والمقايسة والمقارنة والإفادة غير ممكنة! لكنّ المستجدين هؤلاء ينسون المعنى الحقيقي لتذكُّر رفيق الحريري في كلّ آن. إنّ معناه أنّ المواطنين العقلاء إنما يتذكرون، بتذكُّر رفيق الحريري، الأمل، ويستبشرون بإمكان الحلول  والمخارج مهما كانت الظروف متعسّرة. وعلى سبيل المثال، سمعتُ خبيراً مالياً أميركياً يتحدث عن نجاح مصر الاقتصادي لأربعة أسباب: علاقاتها العربية الجيّدة، والتعاون مع صندوق النقد الدولي، والاستثمار العالي الوتيرة في المستقبل، وظهور الموارد الغازية والبترولية. وقال له المقابِل: لماذا ذكرتَ الموارد الجديدة آخِراً، وصندوق النقد ثانياً بعد العلاقات العربية؟ فقال: لأنّ العلاقة بصندوق النقد كانت لتجاوز الاختلال في ميزان المدفوعات، ولبعث الثقة في مستقبل الاقتصاد المصري. إنّ الأمور الثلاثة الأولى هي التي اعتمدها الرئيس رفيق الحريري والرئيس السنيورة بعده، ولذلك ظلَّ النموّ عالياً حتى العام 2011. وفي هذا العهد الميمون الشديد العداء للحريري وذكراه، ما بقي صديقٌ ولا ثقة في لبنان وسياساته لدى العرب أو الدوليين. أصدقاء هذا العهد اليوم وبالأمس يقتصرون على النظام الإيراني، والنظام السوري، وسلاح الحزب وحسْب. أما، سبب الأزمة في نظرهم فهي الحريرية السياسية، واللاجئون السوريون، ولينتحرْ مَنْ لم يصدّق!

لقد كان من مفاعيل وآثار استشهاد  الرئيس رفيق الحريري: النهوض الوطني الذي أخرج الجيش السوري من لبنان، و قيام حركة 14 آذار أو ثورة الأرز، وصيرورة “لبنان أولاً” لدى المسلمين السنّة، ونجاح تحالف 14 آذار مرتين في الانتخابات النيابية. أما خصوم الحريرية فكانت “إنجازاتهم”: الاغتيالات السياسية حتّى العام 2013، واحتلال بيروت عام 2008، وإسقاط حكومة سعد الحريري عام 2011، والتدخل ضد الثورة السورية لقتل الشعب السوري وتهجيره عام 2013، والمجيء بالجنرال عون رئيساً للجمهورية عام 2016، والانتصار النيابي بعد قانونٍ عجيبٍ للانتخابات عام 2018، وأكبر الإنجازات مؤخراً: إفلاس الدولة والقطاع المصرفي نكايةً باللبنانيين والعرب والمجتمع الدولي وانتصاراً لمحور المقاومة الميمون.

بعد استبدال حسان دياب بسعد الحريري، صرنا أحراراً لأنّنا بدون أوهام

في الذكرى الخامسة عشرة لاغتيال رفيق الحريري، هناك ثلاثة أمورٍ حفرت عميقاً في الوعي وإنسانية إنساننا: قتل رفيق الحريري (2005) وهو ظلمٌ لن يشفيه حكم المحكمة الدولية الخاصة على القتلة المباشرين، واحتلال بيروت (2008) كما فعل الإسرائيليون عام 1982، وسواد حكومات اللون الواحد منذ العام 2011. إلى أن زالت كل وجوه الفصل بين دولة السلاح والدولة الشرعية في حكومات وسلطات هذا العهد الميمون.

ولدينا اليوم حكومة حزب الله من جهة، وحِراك شعبي ووطني عارم من جهةٍ ثانية. ولن يفيد في الخروج من المأزق الوطني الهائل إلاّ العودة للثوابت: ثوابت العيش المشترك، ووثيقة الوفاق الوطني والدستور. كل ما في هذا العهد – بما في ذلك الفساد الفظيع- يشكّل خروجاً فاقعاً على الشرعيات الثلاث: الشرعية الدستورية الوطنية، والإجماعات العربية، وقرارات الشرعية الدولية.

الانطباع السائد اليوم أنّ المسلمين السنّة مستضعَفون وحقوقهم منتهكة. وأنا أرى الآن، وبعد استبدال حسان دياب بسعد الحريري، أنّنا صرنا أحراراً لأنّنا بدون أوهام. لا حلَّ أمامنا غير الحلّ الوطني والمصير الوطني الذي قامت عليه الحريرية السياسية في الأصل: الاستقلال والسيادة ولبنان المتقدم والمستنير ودولته المدنية وعيشه المشترك.

سعد الحريري دخل في التسوية وحده وما دخلنا معه. ومع ذلك فنحن ما استطعنا إخراجه من التسوية وإنّما أخرجه الثنائي الشيعي وظلاله القاتلة. النظام  نظامنا والدولة دولتنا وعلينا العمل مع الحراك الشعبي ومع سائر الوطنيين للخلاص من هذا العهد الذي أفلس في سنته الأولى. نعم، إنّ العدالة لرفيق الحريري لن تتحقق إلاّ بالخلاص من العهد ومن دولة حزب الله معاً. وإنّ الشعب اللبناني الذي أخرج الجيش السوري من لبنان، يستطيع استعادة الحزب إلى لبنان إنما من دون سلاحه المسلط عليكم أيّها اللبنانيون. ورحم الله رفيق الحريري، رفيق الأمل الزاهر، ورفيق العمل الوطني القادر.

 

إقرأ أيضاً

رفيق الحريري والمسيحيون… الفهم المتأخّر

  لكم هي شديدة الحاجة اليوم إلى رفيق الحريري لجمع أطراف الوطن! كان الرئيس الشهيد رابطاً بين لبنان ولبنان رُغم أنّ علاقته ما كانت سهلة…

طرابلس: كلن يعني كلن.. إلاّ “رفيق”

  تمتلك طرابلس ذاكرة تنبض بالحبّ والوفاء والحنين وبالثناء والتقدير لرفيق الحريري، قلّما امتلكتها مدينة أخرى، وعبـّرت عنها في مختلف المحطات، قبل الاستشهاد وبعده، بدون…

الثنائي في النبطية وقوّة الثورة

  فاطمة ترحيني تشهد محافظة النبطية مواجهة جديدة، أشبه بصراع دائم، بعدما استطاع جزء من أهل المدينة وقراها الاعتراض على “حزب الله” و”حركة أمل” وكل…

في وداع الحريرية؟

  هل سيستمر رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في السياسة أم لا؟ يصعب افتراض أن أحداً يملك إجابةً عن هذا السؤال، حتى عند الحريري نفسه،…