“Tout se joue avant six ans”

 

وُلد سعد الحريري سياسياً في شباط 2005. كانت ولادته مخاضاً بعد اغتيال والده بألف كيلوغرام من المتفجرات هزّت الشرق الأوسط والعالم. كان سياسياً “رضيعاً” مقمّطاً حين استلامه. وكان يبكي. يبكي اغتيال والده المفجع، ويبكي، كما بكى المعرّي مجيئه إلى الحياة، تورّطه في الحياة السياسية. ويحقّ له أن يردّد مع أبي العلاء بشيء من التصرّف “هذا ما جناه اغتيال أبي عليّ”، ولا نعلم تماماً إذا كان الحريري سيجني على أحد، بمعنى الوراثة السياسية، وكيف سيكون مستقبله السياسي ومستقبل الحريرية السياسية، وهذا نتركه للأيام.

حبا الحريري في شهوره السياسية الأولى. تأتأ وتعلّم الكلام رويداً رويداً. مشى خطواته السياسية الأولى في الإنتخابات، وعاش أياماً وشهوراً وسنوات صعبة جداً في طفولته السياسية. لم يحظ هذا “الطفل” السياسي بطفولة مدلّلة كما يحدث مع من يرثون السلطة من دون دماء وعبر التحضير المسبق للوراثة. مع أنّ تجربة تيمور جنبلاط لا تجعلنا نتحمس لهذه المقاربة. لكن من دون شك، “طفولة” الحريري السياسية كانت صعبة جداً. وهذه السنوات الأولى من عمره السياسي تعتبر السنوات المصيرية التي شكّلت فيما بعد شخصيته السياسية، مراهقاً، ثم ناضجاً.

السنوات الأولى المصيرية في الطفولة يحدّدها فيتزهيو دودسون بستّة أعوام في كتابه الشهير “Tout se joue avant six ans”، والذي يعطي فيه نصائح للأهل لكيفيّة تربية أبنائهم والانتباه إلى التعامل معهم في هذه الأعوام الستة الأولى الحاسمة من حيواتهم.

وإذا طبّقنا معايير دودسون التربوية الطفولية النفسية على الطفولة السياسية لسعد الحريري تبدّى لنا واضحاً أنّ كل شيء “لُعب” في الأعوام الستة الأولى من عمر الحريري السياسي. أي بين 2005، عام اغتيال والده، و2011، عام اندلاع الثورة السورية. بينهما أحداث شكّلت أساس شخصية الحريري السياسية، هي مسؤولة بالضرورة عن اضطراباته ونكساته ورؤيته للأمور. فالسنوات الست الأولى، دائماً بحسب دودسون، تحدّد مستوى ذكاء الطفل والتركيبة النفسية لشخصيته. ودودسون يقول بفرادة كلّ طفل عن الآخر. حتى الإخوة يختلفون، ولا وصفة خاصة موحّدة للتعامل مع جميع الأطفال. والحريري، سياسياً، كان فريداً. ولا وصفة ربما تقال له للتعامل مع الأحداث. لكن لا بدّ من ملاحظة تعرّض الحريري في طفولته السياسية الباكرة إلى هزّات واضطرابات، سيكون لها الأثر البالغ في شخصيته السياسية فيما بعد.

لقد اختار الحريري في العام 2011 أن يُدين حريري العام 2009 إدانة صارمة وقاسية

فالرجل لم يكن “يحبو” بعد حتّى حين دخل في تسويات ليس أقلّها “الحلف الرباعي”، مع الثنائي الشيعي ضد ميشال عون والمعارضة الشيعية، لخوض انتخابات قادرة على تزكيته وريثاً قوياً لوالده صيف العام 2005. ولم يكن قد استفاق بعد من تصفيق المحيطين به لحبوّه السياسي الأوّل، حتّى سقط أرضاً على وقع حرب تموز 2006 الطاحنة التي خاضها لبنان ونقلت “حزب الله” من “مراهقة” عسكرية بعض الشيء إلى نضج وخبرة وبأس وقوّة يُحسب لها ألف وسبعمئة حساب وحساب. بلغ “حزب الله” أشدّه في حرب تموز، وكان الحريري لا يزال يحاول أن يركب سياسياً دراجة هوائية مع دولابين صغيرين خلفيين مساعدين، وبمساعدة أبوين بالتبنّي السياسي هما نبيه بري ووليد جنبلاط، حتّى لا يقع. كان طفلاً على بيسيكلات طفولية مطلوباً منه أن يجاري دراجة نارية ضخمة مثل “الكروس”، يقودها “حزب الله”. ومع أن دودسون يقول بضرورة وضع ضوابط للطفل وتعويده على سياسة الثواب والعقاب، وإفهامه حدود أفعاله وعواقبها، إلا أنّه يشير بوضوح إلى ضرورة عدم اللجوء إلى العنف مع الطفل في هذه الأعوام الستة الأولى، حتّى لا يترك الموضوع أثراً لا يُمحى في سنواته اللاحقة. لكنّ الحريري تعرّض، مع حلفه السياسي، في العام 2008 لضرب من “الشقيق الأكبر” في السابع من أيار، وهو حدث لو وضعناه في مقياس دودسون، لأكّد لنا أنّه سينعكس سلباً على مستقبل الحريري. ولا نستغرب ذلك، فكلنا نعلم أين وصل الحريري، وكيف كانت سنواته الأخيرة في الحكم.

يبقى هناك حدثان مصيريان أثّرا حكماً في شخصية الحريري التي نعرفها اليوم. الأول هو زيارته إلى بشار الأسد في رمضان من العام 2009، و”براءة الأطفال في عينيه” على ما تقول نجاة الصغيرة، ومصافحته لمن ظلّ يتهمه سابقاً ولاحقاً بقتل والده. والحدث الثاني هو الثورة السورية التي اندلعت بعد عامين من زيارة وُصفت بأنّها “مذلّة”.

لقد اختار الحريري في العام 2011 أن يُدين حريري العام 2009 إدانة صارمة وقاسية. وقف سعد الحريري، وله من العمر السياسي ست سنوات فقط، مع الثورة السورية، وهو قرار شجاع. لكنّ الرجل عاد وتعرّض في مراهقته السياسية في السنوات اللاحقة لمواقف عديدة، لا يُحسد عليها، لا تدخل، للأسف، ضمن اختصاص كتاب صديقنا دودسون.

 

إقرأ أيضاً

رفيق الحريري والمسيحيون… الفهم المتأخّر

  لكم هي شديدة الحاجة اليوم إلى رفيق الحريري لجمع أطراف الوطن! كان الرئيس الشهيد رابطاً بين لبنان ولبنان رُغم أنّ علاقته ما كانت سهلة…

طرابلس: كلن يعني كلن.. إلاّ “رفيق”

  تمتلك طرابلس ذاكرة تنبض بالحبّ والوفاء والحنين وبالثناء والتقدير لرفيق الحريري، قلّما امتلكتها مدينة أخرى، وعبـّرت عنها في مختلف المحطات، قبل الاستشهاد وبعده، بدون…

الثنائي في النبطية وقوّة الثورة

  فاطمة ترحيني تشهد محافظة النبطية مواجهة جديدة، أشبه بصراع دائم، بعدما استطاع جزء من أهل المدينة وقراها الاعتراض على “حزب الله” و”حركة أمل” وكل…

في وداع الحريرية؟

  هل سيستمر رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في السياسة أم لا؟ يصعب افتراض أن أحداً يملك إجابةً عن هذا السؤال، حتى عند الحريري نفسه،…