غزّة “ضربت” هويّة شباب اليهود

بقلم إليزابت دياز (Elizabeth Dias) وروث غراهام  (Ruth Graham) (نيويورك تايمز)

 

يواجه جيل جديد من اليهود الأميركيين الصراع، الذي طال أمده في المنطقة، في سياق مختلف تماماً، مع ضغوط مختلفة جداً عن تلك التي واجهها آباؤهم وأجدادهم.

لا يعرف دان كلاينمان (Dan Kleinman) تماماً كيف يشعر. يقول إنّه عندما كان طفلاً في بروكلين، لقّنوه كيف يقدّس إسرائيل الدولة الحامية لليهود في كلّ مكان أو “سوبرمان اليهودي الذي يخرج من السماء لإنقاذنا”، عندما تسوء الأمور. كانت إسرائيل ملاذاً ذهنياً له، عندما كان دعاة تفوّق البيض في شارلوتسفيل Charlottesville، بولاية فرجينيا، يصرخون: “اليهود لن يحلّوا محلّنا”، أو حين يمسك الأطفال في الكلية بقميصه، وهم يقلّدون حلقة تلفزيونية من مسلسل “ساوث بارك South Park” لسرقة “ذهبه اليهودي”.

لكنّ مشاعره ازدادت غموضاً مع تقدّمه في السنّ، ولا سيّما الآن وهو يشاهد العنف يتكشّف في إسرائيل وغزّة. تطلب منه بوصلته الأخلاقية مساعدةَ الفلسطينيين، لكنّه لا يستطيع أن يهزّ جنون العظمة المتأصّل فيه كلّ مرة يسمع فيها شخصاً يدلي بتصريحات معادية لإسرائيل.

أصبحت إسرائيل قوية، ولم تعد تبدو وكأنّها تتعرّض لتهديد وجوديّ مستمرّ.

وتأتي أعمال العنف في قطاع غزّة بعد عام غيّرت فيه الاحتجاجات الجماهيرية في جميع أنحاء الولايات المتحدة نظرة كثير من الأميركيين إلى قضايا العدالة العرقية والاجتماعية. لقد أصبح الموقف المؤيّد للفلسطينيين أكثر شيوعاً، حيث ألقى أعضاء بارزون تقدّميون في الكونغرس خطابات حماسية دفاعاً عن الفلسطينيين في مجلس النواب. وفي الوقت نفسه، تتوارد التقارير عن تفاقم حالات معاداة السامية في جميع أنحاء البلاد.

يواجه جيل جديد من اليهود الأميركيين الصراع، الذي طال أمده في المنطقة، في سياق مختلف تماماً، مع ضغوط مختلفة جداً عن تلك التي واجهها آباؤهم وأجدادهم

وتكبر الانقسامات بين بعض اليهود الأميركيين والحكومة اليمينية الإسرائيلية منذ أكثر من عقد من الزمن. ولكن في عهد إدارة ترامب تعمّقت تلك الكسور فأصبحت شقوقاً. وظلّت السياسة في إسرائيل محفوفة بالمخاطر، حيث تحالفت حكومة بنيامين نتانياهو المتطاولة في الزمن مع واشنطن. بالنسبة إلى الشباب الذين بلغوا سنّ الرشد خلال سنوات ترامب، فقد ارتفع مستوى الاستقطاب السياسي حول هذه المسألة.

ولا يزال كثير من يهود أميركا يدعمون إسرائيل وحكومتها من دون تحفّظ. ومع ذلك، تركت أحداث الأسابيع الأخيرة بعض العائلات تكافح بين الأزمة في الخارج والاستجابة الواسعة النطاق من اليهود الأميركيين في الداخل. وما هو على المحكّ ليس جيوسياسياً فحسب، بل هو شخصي للغاية. وتشتدّ الاختلافات بين اليهود على أساس العمر، والممارسة الدينية، والانتماء الحزبي.

في ضواحي ليفينغستونLivingston ، بولاية نيوجيرسي، كانت ميرا أشتيفكر (Meara Ashtivker)، البالغة من العمر 38 عاماً، خائفة على حميها في إسرائيل، الذي يعاني إعاقةً، ولا يستطيع اللجوء بسرعة إلى الدرج للاحتماء عندما يسمع صفّارات الإنذار. وقالت إنّها خائفة أيضاً لأنّها ترى الناس في دوائرها التقدّمية يبدون فجأة وكأنّهم مناهضون لإسرائيل واليهود.

وقالت أشتيفكر، وزوجها إسرائيلي، إنّها تحبّ إسرائيل وتدعمها، حتى عندما لا تتّفق مع الحكومة وأفعالها. وقالت: “من الصعب حقّاً أن تكون يهودياً أميركياً في الوقت الراهن. إنّه أمر مرهق ومخيف”.

ووجدت أليسا روبن (Alyssa Rubin)، البالغة من العمر 26 عاماً، والمتطوّعة في بوسطن مع شبكة IfNotNow، وهي شبكة من الناشطين اليهود الذين يريدون إنهاء الدعم الأميركي اليهودي للاحتلال الإسرائيلي، أنّ الاحتجاج من أجل القضية الفلسطينية هو شكلها الخاص من أشكال الشعائر الدينية. وقالت إنّها وجدّها البالغ من العمر 89 عاماً يريدان في نهاية المطاف الشيء نفسه: السلامة اليهودية. لكنّها قالت إنّ “جدّها ما زال متمسّكاً بالسرديّة التي ترى أنّ الطريقة الوحيدة التي يمكننا أن نكون بها آمنين هي من خلال الحصول على دولة”، في حين رأى جيلها أنّ “عدم المساواة أصبح أكثر تفاقماً”.

بشكل عام، يتبيّن أنّ اليهود الأميركيين الأصغر سنّاً أقلّ ارتباطاً بإسرائيل من الأجيال الأكبر سنّاً: حوالي نصف البالغين اليهود دون سنّ الثلاثين يعتبرون أنفسهم مرتبطين عاطفيّاً بإسرائيل، مقارنة بنحو ثلثي اليهود الذين هم فوق سنّ 64 عاماً

وقد تقبّل آري هارت(Ari Hart) ، 39 عاماً، وهو حاخام أرثوذكسي في سكوكي Skokie بولاية إلينوي، حقيقة أنّ صهيونيّته تجعله غير مرحّب به في بعض الأماكن الناشطة، وكان سيرتاح أكثر لولا ذلك. وقال إنّ طلاب الجامعات من اليهود يستيقظون على التوتّر نفسه، فأنت “تذهب إلى حرم جامعي، وتريد الانخراط فى عمل مناهض للتمييز العرقي أو مؤيّد للعدالة الاجتماعية. لكن إذا كنت تؤيّد دولة إسرائيل، فأنت المشكلة”.

ويرى الحاخام هارت شكوكاً متزايدة في الأوساط اليهودية الليبرالية حول حقّ إسرائيل في الوجود. وقال: “هذا جيل متأثّر جداً بقضايا العدالة الاجتماعية، ويستلهم منها، ويريد أن يكون على الجانب الصحيح من العدالة. لكنّهم يقعون في روايات مفرطة في التبسيط، وروايات يقودها أعداء حقيقيون للشعب اليهودي”.

إقرأ أيضاً: تجدّد الأزمة الوجوديّة لليهود في إسرائيل

بشكل عام، يتبيّن أنّ اليهود الأميركيين الأصغر سنّاً أقلّ ارتباطاً بإسرائيل من الأجيال الأكبر سنّاً: حوالي نصف البالغين اليهود دون سنّ الثلاثين يعتبرون أنفسهم مرتبطين عاطفيّاً بإسرائيل، مقارنة بنحو ثلثي اليهود الذين هم فوق سنّ 64 عاماً، وفقاً لمسح نشره مركز بيو للأبحاث الأسبوع الماضي.

في لوس أنجلوس، ترى راشيل سوميخ (Rachel Sumekh)، 29 عاماً، وهي يهودية إيرانية أميركية من الجيل الأول، طبقات معقّدة في قصة عائلتها الفارسية. فوالدتها فرّت من إيران على ظهر جمل، وسافرت ليلاً حتى وصلت إلى باكستان حيث أُخذت هناك بوصفها لاجئة، ثمّ وجدت الملاذ في إسرائيل. وتعتقد سوميخ أنّ لإسرائيل الحقّ في تقرير المصير، بيد أنّها وجدت أيضاً أنّ “من المرعب” سماع سفير إسرائيلي يقترح على الدول العربية الأخرى استقبال الفلسطينيين. وقالت: “هذا ما حدث لشعبي، وسبّب هذه الصدمة بين الأجيال لفقدان وطننا بسبب الكراهية”.

لقراءة النص الأصلي اضغط هنا

مواضيع ذات صلة

رصاصة ترامب تصيب بيروت

من حيث يدري أو لا يدري، لم يصِب الشابّ العشريني في بنسلفانيا برصاصته فقط أذن دونالد ترامب، بل أصاب معها جملة من الاستحقاقات التي كنّا…

وحدة السّاحات “السُّنّيّة”.. إيران تلزّم “الحركة” التنظيمات السُّنّية؟

في حين يكثر الحديث عن سيناريوهات مختلفة لإدارة قطاع غزّة بعد أن تضع الحرب أوزارها ضمن ما يعرف بـ”اليوم التالي”، ليس بينها حركة حماس، يستعدّ…

جبران is back إلى حكومة ميقاتي؟

من غير أن يدري خصوم النائب جبران باسيل وأوّلهم رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع تتقدّم علاقة رئيس التيار الوطني الحرّ بخطوات سريعة ملحوظة مع…

الاغتيالات الرّئاسيّة الأميركيّة.. نجاة 6 ووفاة 4

يحفظُ التّاريخ الأميركيّ 10 اغتيالات أو محاولات اغتيال لرؤساء منذ اغتيال الرّئيس الـ16 أبراهام لينكولن في 14 نيسان 1856 في العاصمة واشنطن، وصولاً إلى محاولة…