أغاني كورونا اللبنانيّة: رعب رومانسيّ وسخريّة سوداء.. وأمل

طرح انتشار وباء كورونا أسئلة كبرى على السّياسة والاقتصاد والأمن والفلسفة، ولم تستطع كلّ هذه المجالات تقديم إجابات واضحة عمّا فرضه عليها من تحدّيات شائكة ومعقّدة، أجبرتها على مراجعة أدواتها وإمكاناتها، وإعادة ضبط حدودها.

لكن بقي المجال الفنّيّ هو الأقدر على ملامسة واقع الأزمة والتّعبير عنها، فبرزت محاولات جادّة لرصد آثار انتشار الوباء على العلاقات الإنسانيّة والعواطف.

لبنانيّاً حرصت الأغاني على أنسنة كورونا والتّخفيف من هوله عبر ردّه إلى حالة يمكن التّعاطي معها ولجمها. ففي مقابل الوجوم والتّجهّم والتّهويل الّذي طبع القراءات الاقتصاديّة والسّياسيّة، قدّمت الأغاني تعبيراً تبسيطيّاً لا يتجاهل عمق الأزمة، ولكنّه يمنحها طابع العابر والزّائل والقابل للتحكّم والإدارة، في قوالب من التّعاطف والتّعاون، والدفاع عن قيم الحب والصداقة والعائلة بوصفها خطَّ دفاعٍ أساسيّاً وصلباً.

نقدّم في ما يلي قراءة لأبرز الأغاني اللبنانيّة الّتي تناولت موضوع كورونا:

“بالحجر الصحّي”: الرومانسيّة الجديدة

لحّن ريّان الهبر وكتب أغنية جميلة بعنوان “بالحجر الصحّي” غنّتها باقتدار الفنانة شانتال بيطار، الّتي نجحت عبر أداء بسيط ومتقن في نقل جملة من المشاعر المتداخلة والمعقّدة، وتحويلها إلى كتلة رقّة وحنان وعذوبة، صبّت في القلب وخاطبته من دون أن تحتاج إلى فذلكات موسيقيّة واستعراضات صوتيّة.

بقي المجال الفنّيّ هو الأقدر على ملامسة واقع الأزمة والتّعبير عنها، فبرزت محاولات جادّة لرصد آثار انتشار الوباء على العلاقات الإنسانيّة والعواطف

بأسلوب غنائيّ يكاد يكون همساً واضح النّبرات، إذا صحّ التعبير، وضعتنا الأغنية أمام نوع جديد من الرّومانسيّة يتأسّس في لحظة كورونا، ويحاول التلاؤم معه واجتراح الحيل الضّروريّة لمواجهته.

الحبيبة هنا تمارس سلطة اللّطف والعناية، وتريد أن تمنح نفسها صلة جديدة به تقوم على تعزيز رابطة الاهتمام المتبادل والحضّ على الوقاية. “كيفك بالبداية مقضي وقتك كيف، شو وضع الوقاية شو وضع التنضيف، كم من رواية قريت، بمين اتصلت حكيت، عمتاخد بالك من حالك، عمتاكل صحي”.

هذا النّوع الجديد من الرّومانسيّة، الّذي ينمو في ظل ضرورة الابتعاد والاكتفاء باللقاءات الافتراضيّة، يقدّم فرصة كبيرة لاكتشاف معنى الآخر ومدى أهمّيته في حياتنا، وتثمين كلّ شبكات الأمان التي يمنحها لنا. “على رغم المسافة بالي معك محجور، بهلزمن الخرافي بهلعمر المهدور، ولو خلص هالكون بتبقى بقلبي هون، بعرف عمتضجر لحالك، كرمالي ضحي”.

 

ملحم زين في “كرمال اللي بتحبّن”

تتبنّى أغنية ملحم زين، الّتي خرجت إلى النور إثر تعاون بين وزارة الدّاخليّة وشركة الصّباح للإعلام، الخطاب الرسمي حول كورونا، وتتبع منطقه القائم على التّخويف. صُوِّرت الأغنية بطريقة الفيديوكليب التّمثيليّ، وشارك فيه نخبة من الممثّلين المعروفين مثل عباس شاهين، ختام اللحام، عصام الأشقر، جوي سلامة.

 يطرح قصة تدور حول سيناريو متخيّل يجري في خيال شاب يعتقد أنّه بسبب استهتاره نقل الفيروس إلى والدته، فأودى بها الموت.

يقدّم الممثّلون أدوارهم ببراعة، وغناء ملحم زين متقن وجميل، لكنّ المشكلة تكمن في كلمات نزار فرنسيس وفي فحوى الخطاب الّذي يحمله الكليب بشكل عام،: “حتى ما تنقص البيوت، دمع الفرقة عليها يفوت، ما تفكر مش رح بتموت، فكر مين القبلك مات”.

خطاب يلجأ إلى بثّ الرعب في نفوس الناس، ربّما كان يمكن اعتباره في بلد آخر جريمة موصوفة يعاقب عليها القانون، وليس عملاً فنّيّاً يدّعي ممارسة وظيفة التّوعية.

 

معين شريف في “بكرا أحلى”

بكلمات مارسيل مدور وألحان أحمد بركات، ظهر معين شريف في فيديو كليب من إخراج عادل سرحان ليدافع عن الأمل والتّفاؤل، ويؤّكد أنّ كورونا ليس سوى عطل أصاب ماكينة الحياة، وأنّه سيزول وتعود البهجة والأفراح من بعده.

هذا النّوع الجديد من الرّومانسيّة، الّذي ينمو في ظل ضرورة الابتعاد والاكتفاء باللقاءات الافتراضيّة، يقدّم فرصة كبيرة لاكتشاف معنى الآخر ومدى أهمّيته في حياتنا، وتثمين كلّ شبكات الأمان التي يمنحها لنا

لا يلجأ الفيديو كليب إلى ألعاب إخراجيّة معقّدة، ولا إلى توظيف مشاهد قاسية، بل يعتمد البساطة والشّفافيّة والتّوجّه المباشر إلى الناس، متّخذاً وضعيّة صديق يخاطب صديقه، أو حبيب يواسي حبيبه ويحرص على التّخفيف عنه.

بعد وصف الأوضاع في أوّل مقاطعها تطلق الأغنية موجة تفاؤل تقول: “بكرا أحلى بدو يكون، رح ترجع تحلا الإيام، والإشيا الصعبة تهون والله يساعدنا”. يغاير منطق أغنية شريف منطق الأغنية الرّسميّة التي قدّمها ملحم زين. بدل الإرعاب والتّخويف يحلّ الأمل المتّصل بالمستقبل وآفاقه غير المحدودة، وكأنّه وعد بالنّجاة والخروج من زمن الوباء والتّحرّر من أسره.

 

تانيا صالح في “حالتنا حالة”

تلعب تانيا صالح في الأغنية التي كتبتها ولحّنتها بنفسها بنوع من السّخرية السّوداء مع كورونا. لا تنكر واقع الأزمة وثقلها، بل تحاول التّخفيف من ثقلها بمزيج من الشّكوى الخفيفة غير الدّراميّة، والتركيز على المتع البسيطة الّتي تحوّلت وصارت أساسيّة.

تخاطب الأغنية شخصيّة غير محدّدة نستنتج أنّها الحبيب أو الشريك، وتتوجّه إليها بالشكوى والكلام طوال الوقت، ولعلّ تسميته بالـ”حلو” تفصح عن رغبة في استحضار الدّلال الأنثويّ والغزل في لحظة لم يعد فيها التّقارب المباشر ممكناً.

إقرأ أيضاً: أغنيّة “عيد الكذب” :عباس شاهين يبصق على السياسيين؟

“حالتنا حالة يا حلو حالتنا حالة، رحنا لنشم الهوا تاري هوانا صار غالي”، تقول الأغنية في مقدّمتها الوصفيّة، ثمّ تنطلق في عرض ما يمكن أن نسمّيه وسائل المقاومة والصمود الّتي تقتصر على ما لا يمكن الاستغناء عنه، “جِبْلي الضروريات، زِقّلي هالميّات”.

اختيار المخرج إيلي الفهد تصوير كليب الأغنية بالأبيض والأسود نجح في خلق دلالة مزدوجة، فمن ناحية أولى أوحى وكأنّ حالة كورونا قد صارت من الماضي ولا تُستحضر إلّا بوصفها تاريخاً وذاكرة، ونجح من ناحية أخرى في تصوير واقع الحياة الخالية من الألوان بشكل يلامس واقع العزلة والوحدة، ولكن من دون مأساويّة وتراجيديّة.

 

إقرأ أيضاً

عيد الفطر الروسيّ: أوّله معايدات ومآدب… وآخره “قفص ذهبيّ”

يستعدّ المسلمون في روسيا للاحتفال بعيد الفطر المبارك الذي يسمّى في بلادهم “أورازا بيرم”، الذي يعني “عطلة عيد الفطر” في اللغة الروسية. وهو يُستهلّ كما…

عن باسكال وهواجس “الحزب” وجعجع: سرقة لكن لكن ولكن…

مفهومٌ جداً أن يأتي ردُ فعل “الحزب” على اغتيال باسكال سليمان، فجّاً بهذا الشكل. فهو يعيش شعور محاصرته، كأنّ حرباً كونية تُخاضُ ضدّه. ومفهومٌ أكثر…

اللبنانيّون للحزب: “لن نعيش ذمّيّين”

أهل الذمّة اصطلاح أطلقه الفقهاء على غير المسلمين المقيمين في المجتمع الإسلامي. ويضمّ إضافة إلى أهل الكتاب (النصارى واليهود) المجوس والصابئة وغيرهما. سُمّوا بهذا الاسم…

أزمة الكويت … “الطبل” قبل “العُرس”

كان متوقعاً في قراءات نتائج انتخابات الكويت البرلمانية التي جرت الأسبوع الماضي، أن الكويت مُقبلة على أزمة سياسية. لكن المفاجأة تمثلت بظهور بوادرها سريعاً جداً…