الانتخابات الفلسطينية(2/2): تجديد شرعية القيادة؟

يتفق الفلسطينيون على أن الانقسام الحالي هو من أخطر التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني وقضيته، ولا نبالغ إذا قلنا إن موقف الجمهور الفلسطيني تجاه أي خطوة سياسية كبيرة، مثل الانتخابات، يتوقف – ضمن أشياء أُخرى – على مساهمتها في زيادة فرص الوحدة الوطنية. ولذلك لا غرابة في أن إحدى أهم وسائل تسويق التفاهمات التي بدأت بمبادرة من عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” جبريل الرجوب، وعضو المكتب السياسي لحركة “حماس” صالح العاروري، اعتمدت على تصوير الانتخابات بأنها الطريق للمصالحة.

ومع أن هذا المنطق كان سائداً في خطابات الأطراف المشاركة في الحوار الوطني، إلّا إن أياً منهم لم يقدم توضيحاً بشأن كيفية تحقيق أو تعزيز فرص المصالحة الوطنية من خلال الانتخابات. وللتذكير، فقد جرت انتخابات للمجلس التشريعي في سنة 2006، وتمخضت عن أكثرية لحركة “حماس” في المجلس التشريعي، وبدلاً من أن يؤدي ذلك إلى تعزيز الديمقراطية والعمل المشترك، انتهى بشلل للمجلس التشريعي المنتخب، وصراع دموي أدى إلى قطيعة بين “فتح” و”حماس”، ما زالت مستمرة حتى الآن.

لقد كان مرور الزمن عاملاً سلبياً فاقم الفجوة بين طرفَي الانقسام، وأدى إلى نشوء مصالح ضيقة لأفراد ومجموعات من طرفَي الانقسام، ذلك بأن إنهاء الانقسام قد يمسّ ببعض هذه المكاسب. كما خدم الانقسام مصالح دول وقوى إقليمية ودولية، أهمها إسرائيل، وتشابكت مصالح عدة أطراف فلسطينية مع مصالح دول إقليمية أو عالمية، الأمر الذي أدى إلى تعميق الانقسام وجعله شائكاً، وبالتالي كيف ستؤدي الانتخابات إلى تحقيق الوحدة الوطنية؟

إن الخشية هي من أن تؤدي الانتخابات إلى العكس تماماً، أي إلى تكريس أمرين واقعيين هما الأخطر على القضية الفلسطينية: الأول، الانقسام، والثاني تكريس الحكم الذاتي وتركة أوسلو. إن أول مَن حذّر من مغبة وضع العربة أمام الحصان كان ناصر القدوة حين استدرك بعد تأييده للانتخابات من حيث المبدأ بالقول: “يجب أن نفهم أن الانتخابات بحد ذاتها لا تحقق الوحدة، وإن جرت الانتخابات في ظل الانقسام قد تكون تكريساً لهذا الانقسام. لقد قيل سابقاً سيتم التفاهم حول وضع غزة وكيفية استعادة الوحدة في الحوار الوطني الذي يلي إصدار المرسوم وتحديد المواعيد. وأحذّر الآن ممّا يبدو توجهاً لتأجيل كافة المسائل الجوهرية لما بعد الانتخابات وهو ما سيشكل خطورة كبيرة على مجمل الواقع الفلسطيني.”[1]

مع أن هذا المنطق كان سائداً في خطابات الأطراف المشاركة في الحوار الوطني، إلّا إن أياً منهم لم يقدم توضيحاً بشأن كيفية تحقيق أو تعزيز فرص المصالحة الوطنية من خلال الانتخابات

وبالمثل، عبّر كثيرون عن القلق إزاء تكريس الانتخابات بهذه الطريقة لواقع الحكم الذاتي الذي أنتجه اتفاق أوسلو، وقد لخص هذا الاتجاه عضو اللجنة النتفيذية المشارك في حوارات القاهرة بسام الصالحي بالقول: إن “ما يقلقنا أيضاً، أن الانتخابات يجب أن تغير الوضع السياسي القائم، لا أن تصبح تكريساً لواقع الاتفاقات السابقة والمرحلة الانتقالية.”[2]

الانتخابات يمكن أن تكون رافعة للخروج من مأزق أوسلو، ويمكن أن توظف لتكريس هذا الواقع، وقد طغت الحاجة إلى الخروج من عنق الزجاجة المتمثل في المرحلة الانتقالية على الحوارات المجتمعية والنخبة السياسية، وكان هذا مبنياً على شعور عميق بأن السلطة التي جاء بها اتفاق أوسلو استنفدت أغراضها. ومن هنا جاء السؤال عمّا إذا كانت الانتخابات ستعطي الشعب فرصة كي ينتقل من واقع الحكم الذاتي إلى واقع الدولة، وخصوصاً بعد الاعترافات الدولية بفلسطين دولة مستقلة.

ولا يشير تدقيق النظر في بعض التعديلات على قانون الانتخابات إلى وجود نية لاستغلال الانتخابات من أجل الانتقال من مرحلة الحكم الذاتي إلى الدولة، بل إلى تكريس الواقع السياسي الحالي. والتعديل المقصود هو ما ورد في القانون بقرار رقم 1 لسنة 2021، الذي نص على تعديل قرار بقانون رقم 1 لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة، والمنشور في “الوقائع الفلسطينية”، عدد ممتاز، رقم 23، وتحديداً النص التالي: “تُستبدل عبارتا (السلطة الوطنية) و(رئيس السلطة الوطنية) أينما وردت في القانون الأصلي بعبارة (دولة فلسطين، رئيس دولة فلسطين).”[3]

وقد عبّر عن هذه الإشكالية بسام الصالحي حين قال: “إن التعديل الهام يتطلب تحصيناً سياسياً وقانونياً غير قابل للبس، حيث إن رئيس دولة فلسطين قد تم انتخابه سابقاً من المجلس المركزي والمجلس الوطني الفلسطيني، صاحب الولاية التشريعية الكاملة التي تتجسد فيها وحدة شعبنا الفلسطيني في كافة أماكن تواجده ولا ينحصر ذلك فقط في أبناء شعبنا في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة.”[4]

وهذا يعني أننا نجري انتخابات لسلطة ولرئيس سلطة، وفق معايير أوسلو الخاصة بالحكم الذاتي، لكن نسميهم دولة ورئيس دولة، أي أننا بدلاً من أن نرفع مستوى السلطة إلى دولة، خفضنا مفهوم الدولة إلى مستوى السلطة، ذلك بأن رئيس الدولة يجب أن يُنتخب من الشعب الفلسطيني، وهذا ما عناه تعيين رئيس الدولة، أبو عمار وبعده أبو مازن، من طرف هيئات منظمة التحرير التي ترمز إلى الشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة.

إن استبدال عبارة انتخاب رئيس دولة فلسطين بدلاً من رئيس السلطة الفلسطينية، ينطوي على إسقاط حق الترشيح والانتخاب لرئاسة الدولة عن بقية أبناء شعبنا في الشتات مثلما تنص وثيقة الاستقلال التي اعتبرت دولة فلسطين دولة لكل الفلسطينيين. وما يعزز هذا التناقض هو أن القرار بقانون معدل يستند إلى وثيقة الاستقلال في مقدمته، ويناقضها في نصه.

 الخلاصة

لقد جاءت هذه الانتخابات بدوافع داخلية أهمها الحاجة الماسة إلى تجديد الشرعية، ودوافع خارجية أهمها الاستعداد لإمكان الاستفادة من المتغير العالمي المهم المتمثل في تغيير الإدارة الأميركية وتنصيب رئيس ربما يكون معنياً بتحريك جهود سياسية أميركية أو دولية، لكن هذا الانتخابات في الوقت ذاته تمثل مخاطر كبيرة على أكثر من صعيد:

فالبنى التنظيمية والسياسية للحركات والأحزاب هشّة جداً إلى درجة ربما تؤدي إلى تفجر أو تشظي في بعضها، وإلى مزيد من تسمم العلاقات فيما بينها؛ كما أن غياب أي رؤية بشأن إعادة توحيد النظام السياسي، قد يجعل من هذه الانتخابات وسيلة لتكريس واقع الانقسام وتعزيزه.

استبدال عبارة انتخاب رئيس دولة فلسطين بدلاً من رئيس السلطة الفلسطينية، ينطوي على إسقاط حق الترشيح والانتخاب لرئاسة الدولة عن بقية أبناء شعبنا في الشتات مثلما تنص وثيقة الاستقلال التي اعتبرت دولة فلسطين دولة لكل الفلسطينيين

والأخطر من هذا وذاك، أن إجراء الانتخابات بمرجعية القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية، ووفق معايير أوسلو، سيكون من شأنه تكريس المرحلة الانتقالية للحكم الذاتي بدلاً من إنهائها، وخصوصاً أن مرسوم إجراء الانتخابات، الذي يتحدث صراحة عن انتخابات المجلس التشريعي ورئاسة السلطة، لا يستعمل مصطلح الانتخابات عندما يتحدث عن المجلس الوطني، بل يكتفي بالاشارة إلى “يُستكمل تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني في 31 / 8 / 2021 وفقاً لأحكام المادة 5 من النظام الأساسي لمنظمة التحرير”،[5] كأن الانتخابات تتعلق بمؤسسات السلطة المرتبطة بالحكم الذاتي، وليس بالمنظمة المرتبطة بالدولة.

إقرأ أيضاً: الانتخابات الفلسطينية: أسئلة وعقبات (1/2)

قد تنجح هذه الانتخابات بتجديد شرعية القيادة، لكن هذا سيعزز نوع السياسة ونوع مناهج العمل التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه، ولا سيما أن قيوداً وُضعت على الترشح، مثل العمر والقدرة المالية وضرورة الاستقالة المسبقة من الوظيفة، والتي من شأنها تفويت فرصة مشاركة جيل جديد وتحقيق التجديد المنشود، ذلك بأن هذه القيود تحرم 31% ممّن لهم حق الاقتراع من حق الترشيح للمجلس التشريعي، وتحرم 63% ممّن لهم حق التصويت من حق الترشيح في الانتخابات الرئاسية.[6]

وعلى الرغم من هذه القيود كلها، فإن تعطّش الشعب الفلسطيني إلى التغيير والمشاركة دفع أكثريته في المناطق التي ستجري فيها الانتخابات إلى تأييدها بشكل أو بآخر، على أمل الاستفادة من فرصة التغيير على الرغم من محدوديتها. ومن المؤشرات إلى ذلك أن 93% من المواطنين الذين لهم الحق في الانتخاب سجلوا انفسهم في سجلات الناخبين، فضلاً عن التحركات الواسعة الجارية لتشكيل القوائم الانتخابية، وهذا مهم لأن الحدّ من مخاطر الانتخابات، والاستفادة من أي فرص تحملها، يتوقف على حجم المشاركة الشعبية، وخصوصاً الشبابية.

 

المصادر:

[1] “القدوة: الانتخابات قد تكرّس الانقسام.. والقائمة المشتركة بين ’حماس’ و’فتح’ غير ديمقراطية“، موقع “وكالة وطن للأنباء”.

[2] انظر موقف الصالحي في مقابلة مع موقع “عربي 21″، في الرابط الإلكتروني.

[3] انظر: “الوقائع الفلسطينية” (الجريدة الرسمية)، العدد الممتاز رقم 23، في الرابط الإلكتروني.

[4] “الصالحي يدعو لاجتماع عاجل للأمناء العامين والمجلس المركزي قبل مرسوم الانتخابات“، موقع “وكالة وطن للأنباء”.

[5] انظر المرسوم في موقع اللجنة المستقلة للانتخابات، مصدر سبق ذكره في الهامش رقم 3.

[6] جاء ذلك في دراسة من إعداد الباحث في مركز “مسارات” عبد الجبار الحروب، ويمكن الاطلاع على الدراسة في الرابط الإلكتروني.

  

* أستاذ الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت.

هذا النص هو مجموعة من نصوص في ملف نشرته مجلة “الدراسات الفلسطينية” التي تصدر في بيروت ويرأس تحريرها الروائي الياس خوري. وقد حمل الملف عنوان “التطبيع والتتبيع” ويضمّ 20 نصاً كتبها مجموعة من المثقفين اللبنانيين والفلسطينيين والعرب.

 

ملاحظة: كتب هذا المقال قبل إعلان التحالف بين البرغوتي والقدوة وترؤس الأخير لائحة مرشحين مستقلّة عن لائحة “فتح” بينهم زوجة الأسير مروان البرغوتي. 

إقرأ أيضاً

لقاءات الخماسية: بحث عن رئيس.. في كومة قشّ الخصومات

عادت اللجنة الخماسية إلى الساحة اللبنانية، لكنّ عودتها كانت قد سبقتها اجتماعات في واشنطن بين الأميركيين والفرنسيين. وعلى أساس توزيع الأدوار والتنسيق في معالجة الملفّات…

الكويت بين “هارفرد” و”إيلينوي”… الصِّدام الحتميّ

يقول التاريخ الكويتي إنّ رئيس الوزراء الذي يذهب لا يعود. أي أنّه يرأس حكومات متتالية ثمّ يمضي من دون أن يأتي مرّة جديدة على رأس…

“سابقة موريس سليم”: الطعن بتعيين رئيس الأركان!

 سجّل وزير الدفاع موريس سليم سابقة لم تعرفها حكومات ما قبل الطائف ولا بعده من خلال الطعن أمام مجلس شورى الدولة بقرار تعيين رئيس الأركان…

نقابة المهندسين: لماذا تعاقب طرابلس تيار المستقبل؟

عقب عودة الرئيس الحريري النسبية إلى الأجواء السياسية في ذكرى 14 شباط، أراد تيّار المستقبل تدشين عودته إلى الملعب السياسي عبر بوّابة انتخابات نقابة المهندسين،…