ماذا تشاهدون في الحجر؟: نوافذ الهروب من الوقت؟

فرضت ساعات الحجر الصّحيّ الطّويلة في موجاتها المتكرّرة على اللّبنانيين تعاملًا جديدًا وخاصًّا مع موضوع التّرفيه، خرج معه الأمر من حدود التّسلية وتمضية وقت الفراغ، ليتحوّل إلى ضرورة لا غنى عنها، ووسيلة لمجابهة القلق والإحباط والمخاوف.

تغيير الدّور انعكس بقوة على طبيعة المواد التي تعرضها التلفزيونات. احتلت برامج المنوّعات  الشاشات المحليّة، إضافة إلى المسلسلات المدبلجة التي تفاقم حضورها بشكل واسع. وكان لافتا أنّ البرامج السّياسية اتّخذت في شكلها وحركتها وطريقة تنفيذها وفي ديكور الاستديوهات الطّابع الخاص ببرامج المنوعات، وكأنّها تحرص على أن تشرعن نفسها من خلال الابتعاد عن جوّ الرّصانة والجديّة، لتعتمد صيغة شكليّة مماثلة لصيغ التّرفيه.

منصّات البثّ الرقميّة اعتمدت الإطار نفسه، ويلاحظ أنّ الأفلام الأكثر مشاهدة وطلبًا على المنصّات، لا تخرج عن نوعين: أوّلهما هو الأفلام والمسلسلات الخفيفة والآكشن، والثاني هوالنوع الّذي يعرض لفكرة السّفر عبر الزمن وتعدّد الحيوات وإمكانية تغيير المصير.

أفلام قديمة عادت من جديد لتحتل يوميات الحجر. إحصائيات منصة “نتفليكس” في لبنان تظهر رواجاً مستجداً لأفلام قديمة مثل فيلم الآكشن رامبو“3 المنتج في عام 1988  من بطولة نجم أفلام الحركة سيلفستر ستالوني، وفيلم المغامرات والكوميديا “فوكوس” من إنتاج عام 2015 وبطولة النجم ويل سميث.

فيلم “الموت لعام 2020” المنتج حديثًا كان من الأفلام  التي احتلت موقعًا متقدمًا في المشاهدة، وهو فيلم مركّب بشكل كوميديّ، يجسد فيه نجوم هوليوود بطريقة ملتوية وساخرة شخصيات نمطية تمثّل جو عام 2020 الذي يوصف بأنه كارثيّ بامتياز.

منصّات البثّ الرقميّة اعتمدت الإطار نفسه، ويلاحظ أنّ الأفلام الأكثر مشاهدة وطلبًا على المنصّات، لا تخرج عن نوعين: أوّلهما هو الأفلام والمسلسلات الخفيفة والآكشن، والثاني هوالنوع الّذي يعرض لفكرة السّفر عبر الزمن وتعدّد الحيوات وإمكانية تغيير المصير

ينطبق التّقدير نفسه على المسلسلات الأكثر مشاهدة، إذ احتل المسلسل الجديد “بريدجيرتون” المأخوذ من سلسلة روايات للكاتبة جولياكوين أعلى القائمة. يأخذ “بريدجيرتون” المشاهد في رحلة شيّقة داخل كوليس حياة الطبقة اللّندنية الرّاقية في القرن الـ19، يكشف عن التّعقيدات التي تعاني منها فتيات هذه الطبقة خلال محاولاتهن التّوفيق بين الرّغبة في إيجاد رجل مناسب للارتباط وبين شبكة التّقاليد المعقدة والصارمة.

البحث عن سبب شعبية مثل هذا المسلسل في زمن الحجر الصّحي ،على الرّغم من أن العنوان العريض لموضوعه لا يبدو شديد الإغراء بل قد يبدو مملا ومستهلكا، يعود إلى الزخم البصري واللوني الذي يحفل به، وتركيزه على تصوير حياة الطبقة المخملية عبر مجموعة ضخمة ومتقنة من الأزياء والتّصاميم والدّيكورات الغنية بالألوان المختلفة، ما يجعل المشاهد يدخل في جوّ من التّخدير البصري، قد ينفي الحاجة إلى موضوع قوي ومتماسك، وإلى تسلسل أحداث شيّقة ومتينة.

تشهد كذلك الاستعادة الدائمة لمسلسل “فرندز” الذي يعتبر المسلسل الكوميديّ الأوّل والّذي ظهر موسمه الأوّل عام 1994 واستمرّ لمدة عشر سنوات، كنوع من الرّكون إلى الذّاكرة الآمنة والموثوقة، واستعادة لحظات متعة مألوفة والتّمسك بها لمجايليه، وكنوع من “الاستكشاف” للجيل الجديد، لنوعية البرامج التي كانت سائدة قبل ولادتهم أو مراهقتهم.

عشّاق هذا المسلسل يحفظون بعض مشاهده عن ظهر قلب، كما يحفظ كثيرون المسرحيات المصرية، وبعضهم يقيم مسابقات على صفحات التّواصل الاجتماعي حول مواقف وأحداث معينة خاصّة به، أو يستعمل جملًا من حواراته للتّعليق على يوميات العيش في البلد، أو يوظّفها في سياق عرض حال أو تركيب نكات ساخرة.

تشهد كذلك الاستعادة الدائمة لمسلسل “فرندز” الذي يعتبر المسلسل الكوميديّ الأوّل والّذي ظهر موسمه الأوّل عام 1994 واستمرّ لمدة عشر سنوات، كنوع من الرّكون إلى الذّاكرة الآمنة والموثوقة

اختيار المسلسل الذي صار كلاسيكياً بشكل من الأشكال لإعادة المشاهدة، ونجاحه في احتلال مكان دائم في قوائم الأعلى مشاهدة، يعني الكثير في لحظة الحجر الصّحيّ. أبرز المعاني تتعلق بالخروج من اللحظة وعدم الاعتراف بها ومحاولة تفكيكها وإحلال ذاكرة أخرى بديلة مكانها.

يتماثل هذا الهدف مع شعبية أفلام ومسلسلات الخيال العلمي التي تعتمد على نظريات تعدد الحيوات وتعدد الأزمنة مثل مسلسل “دارك” للمخرج “الألماني باران بو أودار” الّذي كان قد حقّق شعبية جارفة على الرّغم من تعقيده وتشابك وغزارة مرجعياته العلمية والفلسفية. وفيلم المخرج كريستوفر نولان الجديد “تينيت” الّذي يتألف من طبقات تجمع بين نظريات التّأثيرات المتبادلة بين الماضي والمستقبل، وإمكانية عيش أزمنة متعدّدة في لحظة واحدة، وبين مجال بصري جديد يحرص على تصوير الحركة بشكل معكوس بشكل يعتبر فتحًا غير مسبوق في تاريخ السينما.

الوظيفة التي تُناط بالتّرفيه باتت متعلّقة بنفي اللّحظة والخروج منها بأي شكل ممكن، وتاليا فإنّ البعد الفني لم يعد محلّ اهتمام جديّ بقدر الخطاب العام أو الإطار الّذي يتحرّك فيه الموضوع.

الكوميديا والـ”آكشن” والخيال العلمي لا تقدّم مقاربات متماثلة، لكنّ شعبيتها الجارفة في زمن الحجر الصّحيّ تجبرنا على البحث عن القاسم المشترك الذي وجده المشاهد اللبناني بينها، وعن النّوع الجديد من التلقي والاستقبال الذي يتأسس، والذي قد يطبع مصير صناعة التّرفيه ويعيد تشكيلها.

إذا تقصّينا خطاب المواد الأكثر شعبية من أفلام ومسلسلات لوجدنا أن المشاهد لا يهتم بالأفكار التي تحملها بقدر اهتمامه بالمزاج الذي تخلقه. فيلم “رامبو 3 “على سبيل المثال حافل بالإشارات السّياسية والثّقافية وبكثير من الإحالات المرجعية إلى الصّراع الأميركي مع الاتحاد السوفييتيّ وغيرها.

الوظيفة التي تُناط بالتّرفيه باتت متعلّقة بنفي اللّحظة والخروج منها بأي شكل ممكن، وتاليا فإنّ البعد الفني لم يعد محلّ اهتمام جديّ بقدر الخطاب العام أو الإطار الّذي يتحرّك فيه الموضوع

لكنّ الفكرة التي يمكن من خلالها فهم شعبيته المتجدّدة الآن لا تتعلّق بأي من العناوين السّالفة الذكر، بل تتعلّق بثيمة الفرد القادر على الانتصار لوحده على السّلطة أو القادر على فرض التّغيير الكبير بجهده الخاصّ.

تفسير شعبية فيلم يحمل تركيبًا معقّداً مثل “تينيت” تعود إلى العنوان العريض نفسه وإن بصيغة مختلفة. موضوعه يدغدغ آمال المشاهد بالخروج من اللّحظة أو عدم عيشها أو عكسها وتفادي آثارها ونتائجها.

إقرأ أيضاً: الهيبة الردّ: آكشن وشخصيات شكسبيرية كاريكاتورية

لا تتم مناقشة النّظريات العلمية ولا التّقنية الجديدة والاستثنائيّة التي ظهرت في هذا الفيلم، بل تكشف التعليقات على وسائل التّواصل الاجتماعي عن هذا النّزوع السّالف الذّكر وتثبته، كما تتجلّى بموازاة ذلك الدّعوات التي تشجّع على تسخيف المقالات التّحليلية حول الأفلام والسّخرية منها والتّركيز على نعمة الجهل التي تتيح الاستمتاع والهروب من الواقع.

التّرفيه صار موصولًا بمحاولة النّجاة وصارت وظيفتة الأساسيّة في نظر اللّبنانيين مرتبطة بإتاحة الفرصة أمامهم للخروج الآمن من زمنهم الذي لا يحمل سوى الألم والقهر.

 

إقرأ أيضاً

ساعات الخيارات الصّعبة

“غد بظهر الغيب واليوم لي   وكم يخيب الظنّ بالمقبل” (عمر الخيّام) بالبداية، ليس لواحد مثلي مرتبط بشكل لصيق بقضية فلسطين ومبدأ مواجهة الاستعمار ومكافحة الظلم…

أين العرب في اللحظة الإقليميّة المصيريّة؟

الوضع العربي مأزوم. العرب في عين العاصفة. لا يحتاج الأمر إلى دلائل وإثباتات. سوريا كانت لاعباً إقليمياً يُحسب له ألف حساب، صارت ملعباً تتناتش أرضه…

ضربة إسرائيل في أصفهان وصفعة الفيتو في نيويورك

هل نجحت أميركا بـ”ترتيب” الردّ الإسرائيلي على طهران كما فعلت في ردّ الأخيرة على قصف قنصليّتها في دمشق؟ هل نجحت في تجنّب اتّساع المواجهة بين…

غزة: العودة من الركام إلى الركام

احتلّت الحرب على غزة منذ انطلاق شراراتها الأولى في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلى أيّامنا هذه، أوسع مساحة في المعالجات الإعلامية المرئية والمقروءة…