ماذا لو أوصل الحزبُ رئيساً بلا باسيل؟

2022-12-17

ماذا لو أوصل الحزبُ رئيساً بلا باسيل؟

تقولُ الروايةُ الموثوقة إنَّ أوساط حزب الله تُردِّد مُنذ فترة العبارة التالية: “إنّ جبران باسيل أتعَبَنا”، وتُشير إلى أنَّ رئيس التيّار الوطنيّ الحُرّ سألَ قبلَ فترةٍ رئيسَ وحدة التنسيق والارتباط في الحزب الحاج وفيق صفا هل في نيّة حزبه العملُ على انتخاب سليمان فرنجيّة بلا أصوات التيّار، أو على الأقلّ بلا رضى باسيل نفسه.

الواقع أنَّ امتعاضَ الحزب من باسيل تفاقمَ مُنذ ربع الساعة الأخير من اجتماعه بالأمين العامّ، ذلك أنَّ السيّد حسن نصراللّه لم يكن في تلك الجلسة يُريد جواباً فوريّاً من ضيفه على ترشيح فرنجيّة، وقال له صراحة إنَّ مثل هذا الاتّفاق يحتاج إلى جلساتٍ عديدة، وفنّد له الأسباب الموجبة لاختيار زعيم المردة هذه المرّة، وشرح كلّ الضمانات التي يتكفّل هو نفسه بها لو وصل فرنجيّة إلى سُدّة الرئاسة.

بات جبران باسيل “مُتعِباً للحزب”، لكنَّ الحزبَ يحسبُ بدقّة خياراته حيالَه، وما زال حتّى الساعة مُتمسّكاً بالتحالف معه على الرغم من عدم حصول أيّ لقاء أو طلب لقاء بين نصرالله وباسيل

كانت جلسة طويلة وشاقّة، لكنّ جواب باسيل كان رفضاً مُطلَقاً كاد يخرج في لحظاتٍ مُعيّنة عن ضوابطه، فيما الأمين العام للحزب يسعى إلى التهدئة، خصوصاً حين شنّ الضيفُ هجوماً يتعلّق بـ” عجز” و” فشل” فرنجيّة في القيام بأيّ إصلاحات أو في إدارة وزارتَيْ الصحّة والداخليّة اللتين تولّاهُما. قال نصراللّه إنَّ الجوّ العامّ آنذاك كان مُختلفاً، وممارسةَ جميع الأطراف لم تكن نموذجيّة، والتيّار لم يكن قد جاء بمشروعه الإصلاحيّ، والحزب نفسُه لم يكُن على ما هو عليه اليوم. وذهب نصرالله إلى حدّ اقتراح الاتّفاق على حزمة إصلاحات وتعيين مُستشارٍ إلى جانب فرنجيّة إذا ما وصل إلى الرئاسة لضمان الاتفاقات والخطّة الإصلاحية والاقتصادية المنشودة بعد التشاور مع الرئيس العتيد.

كان من المُفترض أن “يُغربل” رئيسُ التيّار الوطنيّ ما سمعه من نصرالله ويعود الطرفان إلى اللقاء، لكن بدلاً من ذلك راح باسيل منذ غداء اللقاء يرفع مستوى الهجوم على فرنجيّة وينعته بكلّ الصفات، ووصلَ الأمر إلى حدّ التشكُّك في مصداقيّة الحزب والتلويح بفكّ تحالف مار مخايل. كان تفسيرُ الحزب أنّ رئيس التيّار يعتقد أنَّ نصراللّه يُريد أنْ يُكرّر تجربة العماد ميشال عون، أي التمسّك بخِياره حتّى لو طال الزمن عامين ونصف عام، وهو ما يرفضه باسيل، فاختار أن يحرق صورةَ ومراكبَ سليمان.

بات جبران باسيل “مُتعِباً للحزب”، لكنَّ الحزبَ يحسبُ بدقّة خياراته حيالَه، وما زال حتّى الساعة مُتمسّكاً بالتحالف معه على الرغم من عدم حصول أيّ لقاء أو طلب لقاء بين نصرالله وباسيل. وكلّ ما في الأمر هو حصول بعض اللقاءات الجانبيّة بين النوّاب. وحين سأل باسيل وفيق صفا هل يفكّر الحزب بالإتيان برئيس بدونه، سمعَ جواباً يقول: “وهل هذا الاعتقاد يمنعك من طلب لقاء مع السيد؟”.

لو تعمّق السائل أكثر بمحاولة معرفة أسباب التنافر الحاليّ بين الحزب وجُبران، فربّما يفهم أنَّ هذا التنافر ليس وليدَ لحظته، حتّى إنَّ بعضَه يعود إلى مرحلة تفاهم “مار مخايل”. فآنذاك اتّفق الطرفان على استبعاد بعض الأمور الحسّاسة، وفوجئ الحزب بوجودها في البيان الختاميّ، ومنها على سبيل المثال بند “تصويت المُغتربين”.

هل يُفكّر الحزب في رئيس بلا أصوات جبران باسيل؟

المسألة غير مطروحة حتّى الساعة، فالحزب لا يُريد خسارة هذا التحالف مع جزء مُهمّ من المسيحيّين، لكنّ عقلَ الحزب يطرح كلَّ الاحتمالات حين تتأزّم الأمور ويدرس كلّ التوقّعات ويحسب كلّ الأصوات، وقد يستطيع، لو تعقّدت الأمور أكثر و”جَنَح” باسيل أكثر وعلى نحوٍ أخطر، أن يلوّح بورقة الرئيس بلا التيّار، خصوصاً أنّ بعض الأطراف الوازنة، وبينها مثلاً الحزب التقدمي الاشتراكي وبعض النوّاب السُنّة، ومن يدري رُبّما بعض نوّاب التيّار نفسه، قد تسير في آخر لحظة بخيار فرنجيّة.

“المسألة غير مطروحة الآن” يقول المقرّبون من الحزب، لكن ماذا لو طُرحت لاحقاً؟

السؤال منطقيٌّ، تماماً كما هو منطقيٌّ اعتقاد البعض بأنّ باسيل رُبّما سمع من الخارج كلاماً يُشجّع على الابتعاد عن الحزب ثمناً لرفع العقوبات وللعودة إلى مسرح التنافس الرئاسيّ بقوّة؟ لكنّ المقرّبين من الحزب يؤكّدون الاعتقاد بأنّ رئيس التيّار يتحرّك بقناعات شخصيّة حاليّاً بغية إحراق أوراق فرنجيّة، ولا يوجد أيّ مؤشّر إلى حركة خارجيّة حياله.

لو تعمّق السائل أكثر بمحاولة معرفة أسباب التنافر الحاليّ بين الحزب وجُبران، فربّما يفهم أنَّ هذا التنافر ليس وليدَ لحظته، حتّى إنَّ بعضَه يعود إلى مرحلة تفاهم “مار مخايل”

المنطقيُّ أيضاً هو ربطُ البعض خفوتَ صوتِ الحزبِ بالأحداث المُقلقة في الداخل الإيرانيّ، فهل الربطُ صحيح؟

لا شكّ أنّ استمرار انتفاضات الداخل للشهر الرابع على التوالي ليس أمراً عابراً، فالجزء الأكبر والظاهر منها يُعبّر عن نقمة اجتماعيّة حقيقيّة أخذت الحجاب عنواناً لها، لكنّ غيرَ الظاهر قد يكون خطيراً أيضاً مع تقدّم مُرشد الثورة السيّد علي خامنئي بالعُمر ووهن الجسد بسبب المرض. فكما كادت مرجعيّات دينيّةٍ ترفع الصوت في عهد مُفجّر الثورة الإسلامية الإمام الخُمينيّ بشأن شروط تولّي شخصٍ ما منصبَ “الوليّ الفقيه”، واضطُرّ الخميني آنذاك إلى إلغاء البند الدستوريّ القائل بأنَّ على الوليّ أن يكون “الأكثر عِلماً” (أي بعلوم الدين والفقه)، فقد يكون خلفَ بعض الاحتجاجات اليوم أيضاً أيادٍ تطرحُ إعادةَ النظر بالمرجعيّة الولائية للمُستقبل. صحيح أنّ الخامنئي استطاع حتَّى الآن ضبط هذه الامتعاضات داخل المؤسّسة الدينيّة، لكن ماذا سيحصُل بعده، أو لو تفاقمت التظاهرات الاحتجاجيّة؟

يقول مسؤولٌ إيرانيّ قريب من السُلطة إنَّ “الإمام الخمينيّ كان قد وضعَ نُصبَ عينيه تطوّرات ومراحل الثورة الأربع التي كان أوّلها الوصول إلى السُلطة وجعلها إسلاميّة، ثمّ بناء المؤسسات الإسلامية، ثمّ تعميم المناخ الإسلامي الثوريّ والعقائدي على المجتمع، وأخيراً تثبيتُ ذلك في الأمّة، وهذا يعني أنّ ما يحصُل اليومَ هي المرحلة المتعلّقة بالمجتمع”.

يضيف المسؤول نفسه أنّ الخامنئي نفسَه أعربَ غيرَ مرّة عن انزعاجه من المُغالاة في التشدّد المُجتمعي، وحين جاءه مَن يشكو إليه سيّدةً كانت شبهَ سافرةِ الحجاب بحيثُ لا يُغطّي سوى نصف رأسها وهي تُشارك في مراسم حُسينيّة، قال: “قد يكون باطنها أكثر صفاء من ظاهرها، ثمّ إنَّها ارتدت نصف حجاب فلنشجّعها على النصف الآخر بدلاً من قمعها”، وسأل الخامنئي: “هل ما يظهرُ منّي أنا شخصياً قادرٌ فعلاً على التعبير عن باطني؟”.

واضحٌ عند القيادة الإيرانية والحزب أنّ ما يحصل في إيران يحتاج إلى مُراجعة نقديّة حقيقيّة، تماماً كما حصل مع الحزب الشيوعيّ في الصين، الذي جدّد نفسه وأطلق ثورة إصلاحيّة سياسيّة وثقافيّة وفكريّة تزامنت مع ثورة هائلة في الصناعة والتكنولوجيا وتخفيف درجات الفقر والبطالة في الأرياف واستيعاب الوافدين من تلك الأرياف إلى المُدن أو مساعدتهم على الصمود في أراضيهم، بدلاً من الانهيار كما حصل في الاتّحاد السوفييتيّ الذي تفكّك.

شيءٌ من هذا حصل أيضاً في جوار إيران، في المملكة العربيّة السُعُوديّة، حيث أطلق وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان ثورة إصلاحيّة جذريّة في الداخل على المستويات الاجتماعيّة والتربويّة والدينيّة والثقافيّة والفنيّة والاقتصاديّة لاقت تأييداً كبيراً من جيل الشباب، الذي يُشكّل مع الأطفال نحو 70 في المئة من المجتمع السعودي، فردّ عن البلاد موجات الربيع، ورسّخ العرش، وصار أكثر قدرة على تحدّي الولايات المتحدة الأميركية، والانفتاح واسعاً على الصين التي قارب التبادل التجاري معها 100 مليار دولار.

ليس الوضعُ مُقلقاً بالنسبة إلى حزب الله وتجربته في لُبنان، وثمّة من يؤكّد عنده أنّ القيادة الإيرانية، التي أوفدت أخيراً قائد فيلق القدس إلى لُبنان، رفعت مستوى الدعم والمساعدة وليس العكس، لكنّه ليس مُطمئناً أيضاً، وذلك أنّ انحراف الأمور عن مساراتها واردٌ مهما كانت قدرة الضبط كبيرة، إذ يكفي أن يخرج رجلُ دين من غلاة المتشدّدين بفتوى كي يزيد الغليان.

ربّما كان يتوقّع الحزب، الذي يقول أهله إنّه فرضَ على إسرائيل فصلَ ترسيمَيْ الحدود البحريّة والحدود البريّة على الرغم من كلّ الضغوط التي مورست لربط الترسيمين، أن تكون ثمارُ الترسيم أكثرَ إيجابيّة في تسريع الخطوات السياسيّة والاقتصاديّة الداخليّة، لكنّ الأكيد أنّه يعتبر أنّ العقدةَ الكبرى حاليّاً في إيصال سليمان فرنجية إلى الرئاسة هو جبران باسيل، ولذلك الصبرُ واستمرار التشاور هُما شعارُه للمرحلة المُقبلة التي قد تطول.

من جهة أخرى، تربط الحزبَ برئيس الحكومة نجيب ميقاتي علاقةٌ مُمتازةٌ حتّى إنّها تسمح له بالاتّصال به بُعَيد الاعتداء على قوات الطوارئ الدولية، ليس فقط لاستنكار الحادث وتبادل الأفكار في ما حصل وحسب، بل ولتأنيب وزراء سارعوا إلى استصدار تصريحات غير مُناسبة باعتراف الحزب وميقاتي، وفق ما يُفهَم. (ربّما كان المعنيان هُما وزيرَيْ الخارجيّة والداخليّة).

إقرأ أيضاً: معبر برّي وسدّ باسيل في انتخاب فرنجيّة

هل يسير الحزب بقائد الجيش العماد جوزف عون لو أُوصدت الأبواب تماماً أمام فرنجيّة؟

لا يزال فرنجيّة الأوّل في خيارات حزب الله، وثمّة مؤشّرات محليّة وعربيّة ودوليّة مقبولة لا بل جيّدة، لكنّ دراسة احتمال التفاهم بشأن عون قائمة أيضاً، وهذا يفترض في حال وصلت التفاهمات الكُبرى إليه، سلسلةً من التفاهمات الجذريّة مع عون بشأن “الحياد” و”الصراع مع إسرائيل” و”سلاح المقاومة” و”الخيارات الاستراتيجيّة”. كلّ شيء وارد، وأداء العماد جوزف عون بالنسبة إلى الحزب في مرحلة قيادة الجيش كان مقبولاً، وفق ما يقول العارفون.

هل يُلملم الحزب وباسيل تبايناتهما وتُستأنف اللقاءات؟ هذا مأمولٌ من الحزب، ومجهولٌ حتّى الآن عند باسيل.

*نقلاً عن موقع: لعبة الأمم

مواضيع ذات صلة

حرب إسرائيل – الحزب صراع “اللامتغلّب”

السؤال المحوري: هل يمكن للحزب أن يهزم إسرائيل عسكرياً؟ الإجابة المباشرة: يستطيع أن يصدّ الهجوم. يستطيع أن يمنعه. يستطيع أن يردعه. يستطيع أن يردّ عليه….

فرنسا: حكومة تصريف أعمال لمدّة سنة؟

خرج إيمانويل ماكرون عن صمته. بعد ثلاثة أيام على إعلان نتائج الانتخابات النيابيّة توجّه إلى “الفرنسيّات والفرنسيّين” برسالة مقتضبة. قيل أنّه نصّها في الطائرة الرئاسيّة…

سماحة المفتي..

أصبح الخلاف على حماس وبسببها خلافاً في لبنان على الجماعة الإسلامية وبسبب مواقفها منذ طوفان الأقصى 7 تشرين الأول من العام الماضي، وانضمامها إلى حرب…

فلسطين وجرح سُنّة لبنان

لم يكن تفكيك البيت السنّيّ نتيجة انشقاق فكريّ أو تضادّ سياسي فحسب، بل الأمر بدأ منذ اغتيال الشيخ صبحي الصالح والمفتي حسن خالد، والغاية كانت…