“الميّاس” تبهر لاس فيغاس: أتستحق بلدًا غير لبنان؟

2022-09-08

“الميّاس” تبهر لاس فيغاس: أتستحق بلدًا غير لبنان؟

ليتمكّن مشاهدٌ لبناني من متابعة عروض فرقة “الميّاس” اللبنانية لفن الأداء البصري الراقص، من الضروري أن يقلع تمامًا عن متابعة فصول البروبغندا الإعلامية اللاهثة التي انطلقت في لبنان قبل أيام تحت عنوان “كرمالك يا لبنان”، لمواكبة الفرقة ونجدتها في مسابقة برنامج للمواهب الشابة العالمي في لاس فيغاس الأميركية. والأكيد أن عليه ألاّ يتابع نشرات الأخبار التلفزيونية اللبنانية التي خصّصت للفرقة فقرة يومية لتعريف اللبنانيين بها وحضّهم، مقيمين ومغتربين، على التصويت الإلكتروني لها في المسابقة العالمية المذكورة. بل عليه كذلك الانفصال الموقّت عن الواقع اللبناني الراهن المشؤوم، نسيانه أو الانصراف والرحيل عنه بعيدًا بحواسه ومخيّلته، كي يتسنّى له التحرُّر من أثقاله ومن التّيه في دوّاماته الباعثة على الغثيان.

 

التبرؤ من السقوط الكبير

الحق أن ليس الواقع اللبناني وحده بأحداثه اليومية، يبعث على الشؤم والغثيان، بل ما يواكبه أيضًا من فقرات إعلامية وإعلانية تنفخ في ما يتمتع به اللبنانيون من مزايا وقدرات ومواهب، وتسوّق لها محليًا وعربيًا ودوليًا، لإبراز صورةٍ بهيّة أخّاذة لبلاد الأرز التي لا تستأهل سقوطها الراهن الكبير في هوّة الانهيار والخراب والإفلاس والآلام منذ أكثر من سنتين. والصورة التي يُسوّق لجمالها وبهائها غالبًا ما تنطوي على القول التالي للعالم: انظروا كم نحن براءٌ بمواهبنا وقدراتنا وجمال بلدنا وطبيعته وهناء العيش فيه من هذا السقوط الكبير في الهوّة المظلمة للتعاسة والشقاء التي قُدّر للبنان أن نهوي إليها. والدليل على ذلك أكثر من أن تُحصى مظاهره: حبّنا الشغوف للحياة والفنون والسهر والمتع، والبروز في مسابقاتٍ وفنية ورياضية إقليمية ودولية تشارك فيها فرقنا، فتبّرِز وتفوز.

فرقة “الميّاس”، فتضمّ 31 فتاة وصبيّة من لبنان، تتراوح أعمارهن بين 13- 25 سنة. وقد أسسها سنة 2019 شاب لبناني يدعى نديم شرفان

وها فرقة “الميّاس” الراقصة فازت أخيرًا بـ “الباز الذهبي” في برنامج مسابقات المواهب، عربيًا وإقليميًا، ووصلت إلى المشاركة في برنامج دولي كبير في الولايات المتحدة الأميركية، وقد اختيرت من بين الفرق العشر الأولى للتباري والفوز بـ “الباز الذهبي” الدولي للمواهب العالمية: “أميركا غوت تالنت”. ومساء أول أمس الأربعاء 7 أيلول الجاري عرضت شاشات تلفزيونية أميركية، ونقلت عنها شاشات لبنانية، تباري الفرق العشر لاختيار اثنتين منها للمباريات الأخيرة والفوز الأخير.

والحق أن من شاهد عروض هذه الفرق العشر – إذا تمكّن من الانفصال عن الواقع اللبناني الراهن وعن البروبغندا الإعلامية النافخة في التميّز اللبناني الجريح، على نحو هوسي محموم وضاغط قدر الضغوط المؤلمة التي يعيشها أهل لبنان اليوم – ربما استطاع مشاهدة “المياس” وهي تؤدي عرضها في لاس فيغاس، متحررًا من الواقع اللبناني ومن الدعاية للفرقة والحض على التصويت، ليس لها ولجهود أفرادها بل “كرمالك يا لبنان” الجريح المعذب. فالعرض الراقص الذي قدّمته الفرقة بين أمثالها العشر، مميّز حقًا وأثار حماسة لجنة التحكيم، وبدا أنها مرشّحة للفوز الأخير، شرط أن تنال نسبة عالية من تصويت الجمهور يؤهّلها لذلك. وهي فازت حقًا على ظهر صباح أمس الخميس 8 أيلول الجاري.

 

من وقائع الآلام اللبنانية

بعض المحطات التلفزيونية اللبنانية، كانت قد وضعت صورة كبرى لفرقة “المياس” في خلفية نشراتها الإخبارية مساء 7 أيلول الجاري، وافتتحتها بريبورتاج مصوّر تعريفي بها وبإنجازاتها الفنية الراقصة، قبل أن تنقل لاحقًا ومباشرةً عروض مباريات الفرق العشر عن شاشات أميركية. لكن ما ورد في النشرة الإخبارية اللبنانية التي ظهرت خلف مذيعيها صورة “الميّاس” طوال وقت النشرة، كان أخبارًا وصورًا عن آلام وعذابات فئات من أهالي لبنان في قاع العثرات واليأس: أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت يتصبّبون عرقًا وغضبًا في تجمّعهم خلف باب منزل وزير العدل هنري خوري، احتجاجًا على قرار أخير اتخذه. وبعض النساء من المتجمّعين خلف الباب رحن يصفعن خشبه بأكفّهنَّ، مناديات بأسماء أبنائهنّ وأزواجهنّ الضحايا، كأنهنّ يندهن موتى خلف الباب، فيما بعض عناصر أمن الدولة المتصبّبين عرقًا يمنعنونهن من الاقتراب من باب بيت الوزير الذي غرد لاحقا قائلًا إن المحتجين/ات توجههم سفارات أجنبية. وهنا لا بد من التساؤل: إذا كانت السفارات الأجنبية تتآمر على لبنان وحكومته، لماذا لا تقدم هذه الحكومة على إقفالها بالشمع الأحمر وطرد ديبلوماسييها إلى بلادهم؟

الخبر- المشهد الثاني في النشرة الإخبارية كان عن نحو أكثر من عشرين من أهالي لبنان الشمالي ومعهم بعض سوريين، حاولوا رجالًا ونساءً وأطفالًا الفرار من الجحيم اللبناني في زورق انطلق بهم من مكانٍ ما على شاطئ عكار أو طرابلس. وكانوا قد اشتروا الزورق بمبلغ من الدولارات تشاركوا في جمعه، كي يوصلهم إلى شواطئ إيطاليا. لكن طرادًا يونانيًا دهم زورقهم في عرض البحر قبل مسير نهار من وصولهم إلى إيطاليا، فأعادهم ورماهم على شاطئ إزمير التركية، بعدما عنّفهم وضربهم عناصرُ الطرّاد اليوناني. وفي مشهد أخير ظهر الفارون منطرحين أرضًا على حُصُرٍ وأغطية في مبنى واسع فارغ على شاطئ إزمير.

الخبر- المشهد الثالث في النشرة الإخبارية التلفزيونية إياها، نقل خَبَرَيْ واقعتي إقدام سوريين على قتل لبنانيين في حاصبيا والكرك. وظهر في نهاية الخبر رجل لبناني بقاعي في مشهد على الطريق يبشّر قائلًا: كل سوري في حقل، أو يقود درّاجة نارية، أو توك توك، أو يمشي على طريق، يجب أن يُهدر دمه.  وهو في قوله هذا قد يكون استلهم شعار العبقري الزحلي سعيد عقل في بدايات الحرب اللبنانية: على كل لبناني أن يقتل فلسطينيًا لخلاص لبنان وتطهيره من آثامه.

وتلا خبري القتل فاصل إعلاني باهر في جماله عن منتوجات النبيذ والعرق اللبناني. ثم استأنفت النشرة الإخبارية التلفزيونية أخبارها عن تميّز لاعبي الفريق اللبناني في مباريات إقليمية لكرة السلة، فيما كانت سبقته في نشرة الثلاثاء 6 أيلول الجاري، مشاهد عن “الرالي” اللبناني وسباقات سيارات على طرق جبلية في الطبيعة الخلابة.

تحدّث مؤسس الفرقة ومدرّبها نديم شرفان عن رغبته في رفع اسم لبنان عاليًا خفّاقًا مثل علمه، رغم ما يعانيه البلد من أزمات خانقة في العتمة والفوضى

محاق الكآبة

من استطاع تناسي مشاهد النشرات الإخبارية هذه، أو حذفها من ذهنه وحواسّه وذاكرته، ربما تمكّن من الانصراف إلى مشاهدة عروض مباريات برنامج المواهب العالمي في لاس فيغاس الأميركية، والذي شاركت فيه فرقة “الميّاس” اللبنانية الراقصة. واللافت أن المتبارين أفرادًا وفرقًا، كلهم من بلدان آسيوية (اليابان، لبنان، الفيليبين…) سوى مشاركٍ واحد من أوستراليا، وآخر ربما أميركي أسود. وتنوّعت “مواهب” المشاركين بين فنون السيرك وألعاب الخفّة والمجازفة والأداء التمثيلي الهزلي، والأداء الراقص. وقد أطلق عليها كلها أحد أعضاء لجنة التحكيم تسمية “فنون الإثارة والتسلية”. ومعظم المشاركين تحدثوا مبتهجين عن مقدرتهم على إبهار الجمهور الأميركي، وعلى الحضور على مسارح أميركا.

أما فرقة “الميّاس”، فتضمّ 31 فتاة وصبيّة من لبنان، تتراوح أعمارهن بين 13- 25 سنة. وقد أسسها سنة 2019 شاب لبناني يدعى نديم شرفان، تحدّث عن أن النساء في البلدان العربية ولبنان لا تستطعن الإعلان عن مهنتهنّ كراقصات محترمات، من دون تعرّضهنّ للتنمّر والحطّ من قدرهنّ الشخصي والاجتماعي. ونالت الفرقة لقب “أراب غوت تالنت”، أي أصحاب المواهب في دنيا العرب. وهي شاركت في مباريات النسخة البريطانية للموهوبين، لكنها لم توفق في الفوز باللقب. لكنها شاركت سنة 2019 في مهرجان الجونة السينمائي الدولي في مصر، وتميّزت على نحو لافت في عروضها في ذلك المهرجان. وتحدثت فتيات في الفرقة عن جهودهنّ في التدريب، مذكراتٍ بانقطاع الكهرباء والمحروقات وزحمات السير الخانقة في لبنان التي عرقلت وصولهنّ إلى مركز التدريب.

وتحدّث مؤسس الفرقة ومدرّبها نديم شرفان عن رغبته في رفع اسم لبنان عاليًا خفّاقًا مثل علمه، رغم ما يعانيه البلد من أزمات خانقة في العتمة والفوضى. وفي العروض التي قدّمتها “المياس” تضع الفتيات الراقصات على وجوههنّ برقعًا، وتؤدّين رقصات تعتمد على حركاتٍ إيقاعية جماعية منتظمة بأيديهنّ. ويقول شرفان إنه متأثر بفنون الرقص الهندي والصيني، والشرق آسيوي عامةً. وفي العرض الأميركي مساء 7 أيلول الجاري، أدت الفرقة عرضًا راقصًا لا يخلو من الإبهار في إطار سينوغرافي مستلهم من طبيعة غابات هندية مصنوعة ومؤلفة كأنها عالم افتراضي مسحور. والحركات الراقصة للفتيات مستلهمة كذلك من الرقص الهندي الذي يعتمد على حركات الأيدي. 

إقرأ أيضاً: في وداع الصيف والمغتربين: رحلوا.. وبقي الانهيار

هل يمكن تجريد فرقة “المياس” وعروضها من مسلسل البروبغندا اللبنانية التي تريد رسم صورة لبنان المواهب والمجتمع الفني والمدني، تناقض السقوط اللبناني في هوّة اليأس والتفكّك والتحلل التي لا يبدو أن في الأفق المنظور نهايةً لها وخروجًا منها؟! ربما يحتاج المقيم اليوم في لبنان إلى أن يبتعد عنه قليلًا أو كثيرًا لتنزاح عن حواسه ومن ذاكرته هذه الغمّة وكذلك البروبغندا الإعلامية والإعلانية اللاغطة عن تبرّؤ أهل لبنان ممّا هم فيه من محاق الكآبة والخيبة واليأس.

مواضيع ذات صلة

لبنان ضحيّة فارق الحسابات.. بين إسرائيل وإيران

ما بين الحربين، الأولى في صيف 2006 والثانية بعنوان “إسناد غزّة” في 2023 و2024، قاسم مشترك وفوارق. يتمثّل القاسم المشترك في أنّ الحزب افتعل الحربين…

100 خبير إسرائيليّ: لسنا مستعدّين لحرب مع الحزب

دعت جامعة ريتشمان في “هيرتسيلا” الإسرائيلية أكثر من 100 خبير عسكري وسياسي إلى دراسة الوضع على الحدود اللبنانية مع إسرائيل وإعداد تقرير يتضمّن اقتراحات سياسية…

إيران وأميركا تتقاربان… ضدّ “تسوية” تركيا وسوريا

هل يكفي أن تتفاهم أنقرة مع دمشق لتنتهي أزمة سوريا وشعبها؟ لا طبعاً. المسألة أكثر تعقيداً من الخلافات الثنائية بين الجانبين. لكنّ المشجّع هذه المرّة…

فرنسا: دجل اليسار واليمين وبعض “الممانعين”!

وقف المسؤول السوري مشدوهاً. كانت الحرب على سوريا في بدايات عسْكرتها المتوحّشة من كلّ الأطراف، بعد عام ونيّف من اندلاع ثورتها الموءودة. وكان خطاب النظام…