سلامة: لا توحيد لسعر الصرف.. قبل “التسوية الكبرى”

2022-04-14

سلامة: لا توحيد لسعر الصرف.. قبل “التسوية الكبرى”

بدأت مبكراً تكتيكات التملّص من الشروط الثمانية المسبقة التي وضعها صندوق النقد الدولي على الطاولة لعرض الاتفاق مع لبنان على مجلس إدارته.

في الشقّ المتعلّق بحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، بات من الواضح أنّه يتمنّع عن تلبية الشرط المتعلّق بتوحيد سعر الصرف، وهو الشرط الذي جعل صندوق النقد الدولي من لوازمه إقرار قانون “الكابيتال كونترول”.

لذلك استخدم سلامة عبارة حمّالة أوجه في الردّ على سؤال وكالة “رويترز”، فقال إنّ الاتفاق مع صندوق النقد “يساعد في توحيد سعر الصرف”، ليحوّل الاتفاق من موقع الاشتراط، إلى موقع المساعدة. وهو بذلك يشير ضمناً إلى أنّ الاتفاق وحده لا يكفي لدفعه إلى هذه الخطوة التي كان يجب أن يمضي بها قبل ثلاث سنوات على الأقلّ.

كان سلامة قد دفع قبل ذلك بحجّة أخرى هي أنّ تثبيت سعر الصرف قرار سياسي، ولا يمكن التخلّي عنه إلا بقرار سياسي من الحكومة، مع أنّه، على الأرجح، لن ينفّذ أيّ قرار حكومي يصدر في هذا الاتجاه، هذا إذا صدر.

في الأسابيع القليلة الفاصلة عن الانتخابات النيابية وما يليها، لن يلبّي رياض سلامة شرطاً واحداً من شروط صندوق النقد

لا يمكن الإحاطة بالمسألة من كلّ جوانبها من دون أن نتطرّق إلى الدوافع الأخرى المتعلّقة بالملاحقات القضائية لشخص الحاكم وأخيه، فالتمنّع له أسباب عميقة وأخرى عمليّة.

لقد بلغ نظام أسعار الصرف المتعدّدة مرحلة من التعقيد والتركيب جعلته يخرج عن سيطرة مَن صنعه بفعل التعاميم الكثيرة والتعديلات عليها، وبفعل المراكز الماليّة الهجينة التي نشأت عنه، حتى بات الدولار اللبناني (اللولار) عبارة عن أربع عملات، لا عملة واحدة. فالحساب المصرفي الواحد يمكن أن يتضمّن دولاراً بالسعر الرسمي، ودولاراً على سعر 8,000 ليرة، ودولاراً على سعر 12,000 ليرة (التعميم 158). وكلّ هذه الدولارات يتمّ تحويلها إلى الليرة، ثمّ تُصرف بالدولار على سعر صيرفة.

 

تعقيدات ضخمة

هذا التعقيد تأقلم معه القطاع الخاص، وبات تسعير السلع والخدمات، وما يستتبعه من إنشاء للحقوق والالتزامات، يتمّ بهذه العملات الأربع. ولذلك بات للخروج من هذا التعدّد تبعات على منظومة عمل القطاع الخاص. وربّما لا يكون مصرف لبنان نفسه محيطاً بحجم الودائع بكلّ نوع من أنواع “اللولار” التي ابتدعها، وبما سينشأ من منازعات إذا ما تمّ إلغاؤها، نظراً إلى الفجوة الضخمة بين أسعارها، لدرجة أنّ سعر “صيرفة” يفوق السعر الرسمي بنحو 1500%، وكلاهما سعران رسميان!

ازداد التعقيد بسياسة “تنشيف” السوق من الليرة التي أدّت إلى السحب المتعسّف لعشرة تريليونات ليرة من المعروض النقدي على مدى أشهر قليلة من دون إقامة اعتبار لحقيقة ما تحتاج إليه السوق من النقد قياساً بما هو متداول من السلع والخدمات. فكانت النتيجة أنّ الليرة المودعة في البنوك باتت تُتَداول بحسم عن الأوراق النقدية (البنكنوت)، سواء في الشيكات أو في عمليات الدفع بالبطاقات.

إلا أنّ هذه الصعوبات العملية ليست إلا رأس جبل الجليد. فالتمسّك بتعدّد أسعار الصرف له وظيفة أكثر عمقاً في معركة توزيع الخسائر. والسعر الرسمي تحديداً وظيفته إخفاء الخسائر في الميزانية العمومية لمصرف لبنان والميزانيات العمومية للمصارف. فمصرف لبنان يقيّم الموجودات والمطلوبات بالعملة الأجنبية وفق سعر الصرف الرسمي الذي لا يساوي أكثر من 7% من سعر صيرفة (الرسمي أيضاً!). وهو يرفض منذ عقود كشف حقيقة رقم المطلوبات، ويرفض تقديم أرقام تفصل بين ما هو بالليرة اللبنانية وما هو بالدولار. يكفي مثلاً أنّه يقيّم ودائع المؤسسات المالية لديه بنحو 165 تريليون ليرة، ويخفي ضمن هذا الرقم ودائع البنوك الدولارية لديه التي تراوح بين 70 و80 مليار دولار. ولو قام بتسجيلها بقيمتها الحقيقية لصار رقم المطلوبات فلكيّاً.

بلغ نظام أسعار الصرف المتعدّدة مرحلة من التعقيد والتركيب جعلته يخرج عن سيطرة مَن صنعه بفعل التعاميم الكثيرة والتعديلات عليها

الأمر مشابه في البنوك التي تقيّم موجوداتها ومطلوباتها وفق السعر الرسمي لتخفي حقيقة الفجوة في مراكزها المالية. وهكذا يصبح مفهوماً لماذا وضع صندوق النقد ضمن شروطه تقديم تقييم محترم لأكبر 14 بنكاً، بمساعدة خارجية وبالاتفاق مع “شركة دولية ذات سمعة محترمة”، بالإضافة إلى استكمال التدقيق في الموجودات الخارجية لمصرف لبنان.

 

بانتظار “الدولة”

تلك هي المشكلة الكبرى مع مصرف لبنان والبنوك منذ بداية الأزمة. الطرفان يدفنان الرؤوس في الرمال ويرفضان تقديم أرقام واقعية لمراكزهما المالية كما تفعل كلّ المصارف المركزية والبنوك في الدنيا، بل يربطان الأمر “بتسوية” كبرى تعالج هذه الخسائر قبل الإقرار بها في الميزانيات العمومية.

هنا تعود الأمور إلى نقطة الصفر. يريد صندوق النقد الدولي توحيد سعر الصرف كشرط مسبق قبل عرض الاتفاق مع لبنان على مجلس إدارته، فيما رياض سلامة، ومعه البنوك، يربطون الأمر بالصفقة الكبرى لتوزيع الخسائر. وتلك الصفقة مرتبطة بأمور كثيرة ليس أقلّها الصراع الكبير المرتقب حول التوجّهات العامة لـ”استراتيجية إعادة هيكلة البنوك” التي يُفترض أن تقرّها الحكومة، ويُفترض أن تحمل اعترافاً مسبقاً بالخسائر الكبيرة للقطاع وخطة لمعالجتها. وتدرك البنوك جيداً أنّ تطبيق شروط صندوق النقد كما هي سيحمّل المساهمين الكبار في البنوك مسؤوليات كبيرة في إعادة هيكلة مؤسساتهم تحت طائلة خسارة سيطرتهم على حصص الأغلبية.

ما تريده البنوك أن تستعيد ملاءتها من خلال التزام الدولة بسداد ديونها الخارجية ذات الآجال البعيدة، واقتصار إعادة الهيكلة و”الهيركت” على “اليوروبوندز” التي تستحقّ في السنوات القليلة المقبلة، وهذا طرح ضعيف ليس له اعتبار أو احترام في عرف صندوق النقد الدولي أو أيّ من تجارب تعثّر الدول.

الاختبار الأول لمسار شروط صندوق النقد في مجلس النواب لا يوحي باستعجال القوى السياسية لتمريرها، كليّاً أو جزئيّاً، قبل موعد الانتخابات. سارت مناقشة مشروع قانون “الكابيتال كونترول” في اللجان المشتركة ببطءٍ لا يوحي بأنّ هذا المجلس يعُدّ أيامه الأخيرة أو أنّه مستعجل لوضع علامة “صحّ” أمام واحد من الشروط الثمانية.

إقرأ أيضاً: الاتّفاق مع الصندوق: ليس أقلّ من “طائف اقتصاديّ”

في الأسابيع القليلة الفاصلة عن الانتخابات النيابية وما يليها، لن يلبّي رياض سلامة شرطاً واحداً من شروط صندوق النقد، بل سيضع شروطاً على الشروط، ليضمن ألّا تأتي الخطوات الحكومية والنيابية المقبلة بخلاف ما يريد. وستساعده المماطلة في فترة الريبة الانتخابية في كسب بعض الوقت.

 

مواضيع ذات صلة

“مصارف هاتفيّة” تغرق لبنان: بديل للبنوك… وتبييض أموال؟

مثل الفطر أو بقعة الزيت، تنمو ظاهرة “المَحافظ الإلكترونية” وتنشر إعلاناتها لدى مكاتب شركات تحويل الأموال، أو على اللوحات الإعلانية في الطرقات. أسماءٌ لشركات عدّة…

المهاجرون يعيدون رسم المشهد السّياسيّ العالميّ

رقمان قياسيان تضربهما سنة 2024، وبينهما رابط حسّاس: عدد سكّان العالم الذين تشهد بلدانهم انتخابات عامّة، وعدد المهاجرين الذين تستقبلهم بلدانهم. وبين الرقمين شواهد متزايدة…

هكذا أضرّت غادة عون المودعين

يتّهم البعض مدعي عام التمييز القاضي جمال الحجار بـ”حماية المصارف” على حساب المودعين، وذلك بعدما أوعز للضابطة العدلية بعَدَم الأخذ بإشارات المدّعية العامّة في جبل…

سندات اليورو المتعثّرة: من يشتري… ولماذا؟

حركة تداول سندات لبنان السيادية بحسومات حادّة أخيراً هي حركة من دون بركة. وستظلّ مستمرّة إلى يوم نجاح إعادة هيكلة المصارف في لبنان. فقد اجتذبت…