“الحياة” في الضفّة… هي المقاومة الحقيقية

2024-01-19

“الحياة” في الضفّة… هي المقاومة الحقيقية


بين وقت وآخر تظهر دعوات لرجال الأمن الفلسطينيين في الضفة إلى الاشتباك المسلّح مع الإسرائيليين، لكن لم يستجب أحد لهذه الدعوات.

حكومة بنيامين نتانياهو التي تنتظر انخراطاً كهذا، وغالباً ما تسعى إليه، ترسل إلى الضفة أفواجاً من الجيش بمختلف تشكيلاته بما هو أكبر وأوسع بكثير من الترتيبات الأمنية الضرورية، إضافة إلى رعايتها المباشرة لعمليات المستوطنين المسلّحين، وإقامة عشرات الحواجز الإضافية لخنق المناطق الفلسطينية. ما يحوّل الضفة بمدنها وقراها المكتظّة بالمواطنين إلى معازل منفصلة تجعل من التحرّك فيما بينها عذاباً لا يحتمله إلا المضطرّون، وهو ما خفّض التواصل الفلسطيني الفلسطيني إلى الحدود الدنيا، وفي حالات عديدة لا تواصل حتى بين أفراد العائلة الواحدة.

من جانب إسرائيل فلكلّ تجمّع فلسطيني في الضفة والقطاع والقدس سياسة خاصة به، تلتقي على هدف واحد هو إخضاع الشعب كلّه، وقبول، أو عدم القدرة على مواجهة، الترتيبات الإسرائيلية الراهنة والمستقبلية التي تفضي إلى هدفين رئيسيَّين:

الأوّل: تحويل الفلسطينيين إلى سكان بلا حقوق سياسية وطنية، يرتبطون في كلّ شؤون حياتهم بما يقدّمه الإسرائيليون لهم من تسهيلات.

والثاني: تحويل الأرض الفلسطينية إلى احتياطي استيطاني لمخطّطات جاهزة بعضها قيد العمل والبعض الآخر في الأدراج انتظاراً لظروف مؤاتية كي يتمّ تفعيلها إمّا بتوسيع المستوطنات القائمة أو إقامة مستوطنات جديدة.

بين وقت وآخر تظهر دعوات لرجال الأمن الفلسطينيين في الضفة إلى الاشتباك المسلّح مع الإسرائيليين، لكن لم يستجب أحد لهذه الدعوات

“خفض عدد السكان”… و”انتعاش” الضفة

لا يفارق الإسرائيليون هدف خفض عديد السكان في الضفة والقطاع والقدس. والأولويات نحو هذا الهدف تتركّز أوّلاً في القدس ثمّ غزة، وما يمكن تهجيره من الضفة نحو الأردن.

في ما يتّصل بالقدس، هنالك ترتيبات إسرائيلية قانونية وأمنيّة يراد لها أن تدفع المواطنين لنقل حياتهم إلى مدن الضفة، أو مغادرة الوطن إلى أيّ مكان.

واقع الضفة: مساحتها تقلّ قليلاً عن ستّة آلاف كيلومتر مربّع، ويقطنها خمسة ملايين وعدّة آلاف تدار شؤونهم من قبل السلطة والمؤسسات الوطنية والمحلية في ما يصنّف بمنطقتَي “أ” و”ب”.

أمّا ما بقي من أراضٍ، وهي ما يزيد على نصف مساحتها، فما تزال واقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة.

الضفة الغربية على الرغم من الانتشار الاستيطاني الذي لا تخلو منه منطقة، إلا أنّها تنمو سكانياً وعمرانياً بصورة مطّردة، ومجتمعها حيوي ومنظّم في إطار مجالس محلية فعّالة، ومنظمات شعبية كالنقابات والاتحادات والجمعيات، وآلاف المؤسّسات التعليمية من مدارس ومعاهد وجامعات، وقطاع خاصّ قوي ونشط يضخّ دماً في الاقتصاد الوطني، وفي الحياة العامّة، ويوفّر فرص عمل في شتّى المجالات إلى جانب العمل في إسرائيل الذي يوفّر عائدات مهمّة تبلغ ما يقارب 400 مليون دولار شهرياً. أمّا على صعيد وظائف السلطة فيتقاضى ما يزيد على مئتَي ألف مرتّبات شهرية، بما في ذلك التقاعد.

الضفة الغربية على الرغم من الانتشار الاستيطاني الذي لا تخلو منه منطقة، إلا أنّها تنمو سكانياً وعمرانياً بصورة مطّردة، ومجتمعها حيوي ومنظّم في إطار مجالس محلية فعّالة

فليستثمر العرب في الضفة

انتظام الحياة في الضفة على الرغم من الصعوبات وامتناع المواطنين عن الهجرة إلى أيّ مكان هما التحدّي الأعمق والأقوى للاحتلال، وهما المقاومة الفعّالة لجميع مخطّطاته. الضفة، والقدس قبلها، بمدنها وقراها ومخيّماتها وملايينها هي الضمانة الراسخة لاستحالة تصفية القضية، وهي الأرضية الصلبة لبناء المستقبل عليها، ضمن دولة حقيقية لكلّ الفلسطينيين.

مقاومة الاحتلال عقيدة شعبية قبل أن تكون فصائلية أو نخبوية، والضفة لا تحتاج إلى مجازفات غير محسوبة القدرة والنتائج، فبقدر ما تستطيع يدافع شبابها عن مخيّماتهم ومدنهم وقراهم، وأهل الضفة يعرفون ما يفعلون ولا يحتاجون إلى تحريض يأتي من أيّ مكان، فهم يتحمّلون قسوة الاحتلال ويتغلّبون عليها بالبقاء على أرض وطنهم، ويصدّون قطعان المستوطنين بالاشتباك بالأيدي، وما إن تقتلع شجرة زيتون يزرع الفلسطيني عشر شجرات بديلة عنها، وما إن يهدمون بيتاً يتنادى أهل البلد إلى إعادة بنائه وإسكان أهله.

إنّ ما تحتاج إليه الضفة هو دعم أكثر قوة وانتظاماً لتنميتها، ونظام سياسي يختاره الناس ولا يفرض عليهم، وسلطة وطنية بكلّ ما لكلمة وطنية من معنى. وتحتاج إلى تجسيد وحدتها مع غزة، ليس في إطار ما يسمّى بالترتيبات المؤقّتة، وإنّما بصورة نهائية في إطار دولة حقيقية.

هذا ما تحتاج إليه الضفة وتوأمها غزة وعاصمة الوطن والدولة القدس، وأمّا ما يحتاج إليه نتانياهو ولا يتوانى عن التربّص به فهو أن يرى الضفة مكان موت ودمار وأشباح تخلو من الفلسطينيين، وهذا ما لم ولن يمكّنه الفلسطينيون منه مهما خطّط وتوعّد وفعل.

إقرأ أيضاً: أين تقع غزّة؟

كلّما زاد في فلسطين مولود فهو تحدٍّ له، وكلّما نبتت شجرة جديدة في فلسطين فهي تحدٍّ لمستوطنيه، وكلّما خرّجت الجامعات والمعاهد أفواجاً من حمَلة الشهادات ارتفع منسوب التفوّق الحضاري لفلسطين على محتلّيها.

يا أيّها العرب والأصدقاء استثمروا في فلسطين، وإذا كان لديكم تحفّظات على شيء فتجنّبوه، وها هي المجالس المحلّية والجامعات والمؤسّسات الشعبية في انتظاركم.

مواضيع ذات صلة

“الدّولة” تتصدّع: من أميركا وفرنسا.. إلى شرقنا الأوسط

عنوان الغلاف في عدد مجلة “الإيكونومست” الأخير: “لا طريقة لإدارة الدولة”. وهمُّ كُتّاب العدد “إدارة الدولة الأميركية”. لكنّهم يُعنَون أيضاً بإدارة الدولة الفرنسية، ويُعنَون بإدارات…

نتنياهو يبحث عن اغتيال يبرّر به قبول الهدنة؟

يبحث بنيامين نتنياهو عن ضربة عسكرية مفعولها أمنيّ ومعنوي كبير مثل اغتيال محمد الضيف لتعوّض له الموافقة المحتملة على الهدنة. يوظّف محاولته شطب قائد كتائب…

هل هناك مَن سعى لقتل “الترامبيّة”؟

هل كانت محاولة لاغتيال “الترامبية”، التي راحت تتمدّد وتجد لها حلفاء من أوروبا إلى روسيا، مروراً بجماعات التطرّف في العالم؟ وهل قًتل احتمال معرفة دوافع…

الحزب أسير انتصاره

ثمّة انتصارات أخطر على أصحابها من الهزائم. هذا ما بات يدركه زعيم ميليشيا الحزب حسن نصرالله، ويحاول تفادي تبعاته بقوله قبل أيام إنّه “إذا حصل…