“حماس” بين التصفية والتسوية

2024-01-31

“حماس” بين التصفية والتسوية


ضلَّلت إسرائيل العالمَ حين أعلنت أنَّها بصدد اقتلاع “حماس” من جذورها، فصدّق من صدّق، وتشكّك من تشكّك، إلى أن تبلور ما يشبه الإجماع على استحالة التصفية وحتمية الذهاب إلى التسوية.

التسوية التي يجري ترويض “حماس” للانخراط فيها هي التي سبقتها إليها حركة فتح، أي منظمة التحرير، وفق الشروط الأميركية المتفاهم عليها دولياً، بما في ذلك ما بقي من الاتحاد السوفيتي في حينه.

انهارت التسوية التي بدأت في مدريد ونضجت في أوسلو، وانقطع حبلها في منتصف الطريق، إذ أنجبت مولوداً غير مكتمل النموّ، هو السلطة الوطنية الفلسطينية، وكلمة “الوطنية” هي مجرّد إدخال فلسطيني على المصطلح.

ضلَّلت إسرائيل العالمَ حين أعلنت أنَّها بصدد اقتلاع “حماس” من جذورها، فصدّق من صدّق، وتشكّك من تشكّك، إلى أن تبلور ما يشبه الإجماع على استحالة التصفية وحتمية الذهاب إلى التسوية

في الجزء الأوّل من مسيرة التسوية، تدخّل النافذون الدوليون لجعلها مقدّمة لنهاية الصراع العربي – الإسرائيلي، بدءاً بجوهره الفلسطيني، وأمّا في الجزء الثاني فلم يتدخّل أحد لإنقاذ المشروع من الانهيار، وأعني تدخّلاً فعّالاً وحاسماً. ومنذ المحاولة الكبرى التي قام بها الرئيس بيل كلينتون في نهاية ولايته، واصلت “أوسلو” انهيارها، لنصل معها إلى حالة مناقضة تماماً لما أُريد منها، فإذا بالفلسطينيين يحصلون على حرب بدل دولة، وإذا بالمنطقة التي توقّعت سلاماً دائماً وشاملاً تدخل في حالة حربٍ على جبهات متعدّدة إلى أن وصل الأمر إلى ما نحن فيه الآن من احتمالات اتّساع الحرب على غزة، وما يرافقها في الضفة وجنوب لبنان، إلى حرب إقليمية إن بدت مستبعدة فإنّها ليست مستحيلة.

مشكلة أميركا… ومركز الزلزال

مركز الزلزال الآن غزة، ومركز المقاومة المسلّحة “حماس”، ومركز التهديد بحرب على كلّ الجبهات إسرائيل، وأمّا أميركا عرّاب التسوية حين كانت ممكنة، وعرّاب ابتعادها واستحالتها، فهي تلاحق الأشباح التي تستهدفها في عقر نفوذها وتعمل على تسويات إن منعت انتشار الحرب فلن تحقّق سلاماً لا ينذر بخطر كامن في كلّ مناطقها.

مشكلة أميركا أنّ تحدّياتها تنشأ وتتفاقم من قلب منطقة نفوذها، وجذرها عجز الدولة العظمى أو تقصيرها في إرضاء حلفائها ولو بالحدود الدنيا لما يطلبون ويستحقّون.

على وهج حرب غزة المستمرّة بمدى مفتوح على الزمن، ألّفت أميركا حكاية وفرضتها موضوع نقاش وحركة على العالم كلّه، وعنوانها “اليوم التالي”، مثيرةً بذلك عدّة أسئلة، وكلّها من النوع الذي لا إجابة عنه. لأنَّ الإجابة تتوقّف على مجهول، وما الذي سيحدث في اليوم الذي سيسبق وقف الحرب، كيف سيكون وضع إسرائيل وما هو وضع “حماس”، وهي التي تستحقّ البحث في خياراتها بعد أن تضع الحرب أوزارها، بحيث يدخل الفلسطينيون جميعاً في تحدّيات ما بعدها، وهي الأكبر والأصعب والأكثر إلحاحاً من كلّ ما مضى.

التسوية التي يجري ترويض “حماس” للانخراط فيها هي التي سبقتها إليها حركة فتح، أي منظمة التحرير، وفق الشروط الأميركية المتفاهم عليها دولياً، بما في ذلك ما بقي من الاتحاد السوفيتي في حينه

حين تنجو “حماس” من التصفية الجذرية التي أرادتها إسرائيل وسعت إليها، فذلك لا يعني أنّها انتقلت من موقع الفصيل الكبير إلى موقع القائد المقرّر في الشأن الفلسطيني، فهي إن كانت في أوج قوّتها أو في ما هو أقلّ من ذلك، فلن يختلف الأمر كثيراً عليها. فهي لن تكون بديلاً عن “فتح” والمنظمة بل ستكون شريكاً، ولن تفرض على الفلسطينيين برنامجها. والأمر لا تقرّره قوّة أيّ طرف وتفوّقه على الطرف الآخر، مهما ارتفع الرصيد في الاستطلاعات، إنَّما تقرّره الحاجة إلى أن تكون العلاقة مع الآخرين قائمة على الشراكة، وليس الاستئثار.

الفكرة لا يمكن تصفيتها

هكذا كان حال الفلسطينيين منذ بداية قضيّتهم وحتى في زمن سطوة “فتح” التي لا تضاهى، وزمن ياسر عرفات الذي ما أجمع الفلسطينيون على غيره طوال حياته. وهذا أمر تكرّس على أنّه قانون، إذ لا أحد لديه القدرة لأن يستأثر ولا حياة له إلا إذا كان جزءاً من كلّ.

الذي هيّأ لـ”حماس” نجاةً من التصفية الجذرية، ليس سلاحها، على أهمّيته التي لا تُنكَر في الحرب العسكرية، ولا حكمها لغزّة، الذي وفّر لها شرعية أمر واقع جعلت العالم كلّه يخاطبها ويتعامل معها، بما في ذلك إسرائيل، وإنّما لأنّها فكرة يعتنقها جزءٌ كبيرٌ من الشعب الفلسطيني، والفكرة لا يمكن تصفيتها، فعندنا من لا يزال يحتفل بمواقع موغلة في القدم.

إقرأ أيضاً: لاستعادة فلسطين عربيّاً… من إيران

حين تسأل أميركا ما الذي يجب أن يُفعل في اليوم التالي، فهذا جزءٌ من مهمّتها الكونية وطريقة أدائها لأدوارها. وأمّا الذي يجب أن يُسأل بحقّ فهم الفلسطينيون، “حماس” المقاتلة و”فتح” المفاوضة، والمنظّمة التي لا تزال مؤهّلة لجمع الطرفين.

الفلسطينيون حتى الآن لم يجيبوا عن سؤال “اليوم التالي” لوقف الحرب، مع أنهم الأكثر احتياجاً للإجابة.

 

* نقلاً عن موقع “مسار”

مواضيع ذات صلة

“الدّولة” تتصدّع: من أميركا وفرنسا.. إلى شرقنا الأوسط

عنوان الغلاف في عدد مجلة “الإيكونومست” الأخير: “لا طريقة لإدارة الدولة”. وهمُّ كُتّاب العدد “إدارة الدولة الأميركية”. لكنّهم يُعنَون أيضاً بإدارة الدولة الفرنسية، ويُعنَون بإدارات…

نتنياهو يبحث عن اغتيال يبرّر به قبول الهدنة؟

يبحث بنيامين نتنياهو عن ضربة عسكرية مفعولها أمنيّ ومعنوي كبير مثل اغتيال محمد الضيف لتعوّض له الموافقة المحتملة على الهدنة. يوظّف محاولته شطب قائد كتائب…

هل هناك مَن سعى لقتل “الترامبيّة”؟

هل كانت محاولة لاغتيال “الترامبية”، التي راحت تتمدّد وتجد لها حلفاء من أوروبا إلى روسيا، مروراً بجماعات التطرّف في العالم؟ وهل قًتل احتمال معرفة دوافع…

الحزب أسير انتصاره

ثمّة انتصارات أخطر على أصحابها من الهزائم. هذا ما بات يدركه زعيم ميليشيا الحزب حسن نصرالله، ويحاول تفادي تبعاته بقوله قبل أيام إنّه “إذا حصل…