“الأمن” لبايدن: بداية انفجار الشّرق الأوسط

2023-10-17

“الأمن” لبايدن: بداية انفجار الشّرق الأوسط


كشف مصدر في مكتب الأمن القومي الأميركي لـ”أساس” إنّ الرّئيس الأميركيّ جو بايدن عقدَ اجتماعاً صباح الإثنين الفائت مع رئيس الاستخبارات المركزيّة (CIA) وليام بيرنز ومدير مكتب الأمن القوميّ جيك سوليفان.  سمِعَ بايدن في الإيجاز الأمنيّ أنّ طولَ أمد الحرب في غزّة سيكون له انعكاسٌ مباشر على الوضع الدّاخليّ الأميركيّ ومن شأنه أن يشكّل بداية لانفجار الشرق الأوسط.
الجدير بالذكر أنّ تحذير “الأمن” لبايدن جاء قبل 24 ساعة من المجزرة التي ارتكبها جيش الاحتلال الاسرائيلي بقصفه مستشفى المعمداني في غزّة.

يُمكن تلخيص ما استعرضه بيرنز وسوليفان بالآتي:
– يُؤدّي الصّراع في الشّرق الأوسط إلى تنامي حالات الكراهيّة بين المُسلمين واليهود والإنجيليين المُحافظين في الولايات المُتحدة. وكان أحد هذه المشاهد إقدام مُسنّ على ذبح وطعن طفل من أصل فلسطينيّ، ومحاولة قتل والدته في إحدى الولايات الأميركيّة.
– إن غابت المُؤشّرات الجدّية إلى نيّة إيران التدخّل المُباشر في الصّراع، إلّا أنّ ذلك إن حصل فإنّ واشنطن تعتبر نفسها مُلزمة بالرّد والدّفاع عن إسرائيل، انطلاقاً من الضّمانات التي أُعطِيَت لنتانياهو بعد عمليّة “حماس” مُباشرة. وهذا من شأنه تعريض المصالح الأميركيّة في سوريا والعراق للخطر المباشر، وكذلك خطوط التجارة العالمية إذا ما قرّر الحوثيون دخول المواجهة أيضاً.

يشير مصدرٌ سعوديّ مُطّلع على دوائر القرار في المملكة إلى أنّ اجتياح القطاع غير مقبول وستعمل الرّياض على منعه بكلّ الوسائل الدّبلوماسيّة والسّياسيّة المُتاحة

– ارتفاع أسعار النّفط، وهذا من شأنه رفع الكلفة الاقتصاديّة على واشنطن والمواطن الأميركيّ، ولذلك انعكاس مباشر على مزاج النّاخبين، خصوصاً من الطّبقة المُتوسّطة.
– استهداف الجنود الأميركيين في العراق وسوريا سينعكس أيضاً على مزاج النّاخبين.
– الموافقة على اجتياح غزّة قد يفتح آفاقاً جديدة لروسيا والصّين لتمتين علاقاتها مع الدّول العربيّة على حساب الولايات المُتحدة، خصوصاً إذا ما كان ذلك على حساب مصالح شركاء واشنطن العرب.
– ينبغي التواصل مع مصر وقطر وتركيا، وإيران عبر الوسطاء، لإطلاق سراح الأميركيين المُحتجزين لدى “حماس” قبل عودة بايدن من جولته في المنطقة. إذ إنّ أيّ مكروه يصيبُهم قد يؤثّر أيضاً على حظوظه الانتخابيّة.

خلفيّة الموقف السّعوديّ
أمّا في السّعوديّة، فالموقف ثابتٌ من ضرورة وقف إطلاق النّار وعدم تهجير سُكّان غزّة، وإدخال المُساعدات الطّبيّة والغذائيّة عبر معبر رفح. وللخوضِ أكثر في معرفة خلفيّات الموقف السّعوديّ، لا بدّ من قراءة سريعة لـ”الأساطير الإسرائيليّة” التي ضربتها حركة حماس في عمليّتها، والأهداف الإسرائيليّة.

ضربت كتائب القسّام 3 أساطير:
– أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”.
– أسطورة “العين الاستخباريّة التي لا تنام وترى كلّ شيء”.
– أسطورة الجيش القادر بنفسه على “سحق أعدائه”.
هذه هي نقاط “القوّة” التي دفعَت تل أبيب لمُمارسة التعالي السّياسيّ وقمع الفلسطينيين والعرب، ضاربةً عُرضَ الحائط بكلّ مُبادرات السّلام منذ نكبة 1948.
إن قبِلَت في “اتفاق أسلو 1993” توقيع ما يُسمّى “اتفاق سلام” مع مُنظّمة التحرير الفلسطينيّة، إلّا أنّها رفضَت الاعتراف بدولة فلسطينيّة، واكتفت بالاعتراف بمنطقة حكمٍ ذاتيّ، وبـ”منظّمة التحرير الفلسطينيّة” مُمثّلاً وحيداً للشّعب الفلسطيني. وهذا لُبّ الصّراع والأزمة.
عند العرب باتَ الرّأي واضحاً وجليّاً. لا إمكانيّة للسّلام من دون دولة فلسطينيّة مُتكاملة. وهذا ما عبّرَت عنه بشكلٍ مباشرٍ أو غير مُباشر البيانات العربيّة المُتعاقبة منذ اليوم الأوّل للعمليّة التي قامت بها كتائب “القسّام”، الذّراع العسكريّ لحركة حماس.
الضّربة التي تلقّتها “الأساطير الإسرائيليّة” تُفسّر الوحشية المُطلقة التي تُمارسها حكومة بنيامين نتانياهو منذ السّاعات الأولى لصدمة “طوفان الأقصى”.

هُنا يُمكن تلخيص أهداف حكومة الحرب الإسرائيليّة بـ3 نقاطٍ:
– الأولى: ترميم ما أمكَن من صورة “الرّدع” الإسرائيلي، الذي أُصيبَ بمقتلٍ صباح سبت “الطّوفان”. هذا يتطلّب القصف المُتواصل، المُركّز والعشوائي، وقتل أكبر عددٍ مُمكن من سُكّان قطاع غزّة ومُقاتلي “حماس”، من دون تمييز بين مدنيّ أو عسكريّ. فهنا تريد القيادة العسكريّة السّياسيّة والعسكريّة الإسرائيليّة تعويض صورة “الجيش الذي لا يُقهر”، بـ”الجيش القاتل الذي يضربُ بلا هوادة”. ببساطة، يطمح الإسرائيليّون إلى مسحِ صور مُقاتلي القسّام وهم يتجوّلون في القواعد العسكريّة الإسرائيليّة، ومقرّ قيادة الجيش في منطقة غزّة، وشوارع مستوطنات الغلاف، واستبدالها بصور العنف المُفرط ضدّ غزّة.
– الثّانية: ضرب إمكانيّة قيام دولتيْن. وإن كانَ تهجير سُكّان القِطاع يُعدّ ضرباً من ضروب “المُستحيل” بنظر البعض، إلّا أنّ استمرار الضّربات القاتلة لفترة طويلة من الزّمن، قد يُسفِر عن تهجير قسري تحت النّار، نحوَ سيناء أو غيرها. وهذا من شأنِه أن “يُنسي” الشّعب الفلسطيني طريق القِتال والمواجهات العسكريّة. وهذا من شأنه أيضاً أن يقضيَ على أيّ أملٍ للشّعب الفلسطيني بقيام دولته، وفي نهاية المطاف تُعطيهم تل أبيب ما تشاءُ من أراضٍ محدودة وحكماً ذاتيّاً تحت سلطتها السّياسيّة والعسكريّة والأمنيّة.
– الثّالثة: هي ما أعلنه وزير الدّفاع يوآف غالانت في مؤتمر صحافيّ مُشترك مع نظيره الأميركيّ لويد أوستن من أنّ هدف العمليّة “القضاء على حركة حماس وقتل قياديّيها”. ويرتبط هذا الهدف بشكلٍ مباشرٍ بسعي حكومة الحرب بقيادة نتانياهو إلى إعادة ثقة المستوطنين، وخصوصاً الذين يقطنون في غلاف غزّة، بالجيش والاستخبارات. إذ ليسَ سهلاً على هؤلاء العودة إلى بيوتهم بعدما استيقظوا ذلك الصّباح ليُشاهدوا مُقاتلي “حماس” يحيطون بهم من كلّ ناحية.

قال مصدر في مكتب الأمن القوميّ الأميركيّ لـ”أساس” إنّ الرّئيس الأميركيّ عقدَ اجتماعاً صباح الإثنين مع رئيس الاستخبارات المركزيّة (CIA) وليام بيرنز ومدير مكتب الأمن القوميّ جيك سوليفان

تؤكّد الأهداف المُعلنة أنّ حرب غزّة هذه المرّة مُختلفة تماماً عن كلّ المواجهات المُتعاقبة منذ 2007.
ذكرُ الأهداف مهمّ للعودة إلى لُبّ الصّراع في المنطقة بعيداً عمّا إذا كانت المواجهة ستتوسّع لتصير حرباً إقليميّة أم لا، لكنّ الحرب المُشتعلة في جنوب فلسطين المُحتلّة تُعيد تأكيد صوابية الرأي العربيّ عموماً، والسّعوديّ خصوصاً، من دون إيجاد حلّ جدّيّ للقضيّة الفلسطينيّة. فالسّياسة السّعوديّة منذ 2016 قائمة على مبدأ التنمية والحفاظ على الاستقرار في المنطقة. ومن هذا المُنطلق كانَ المسؤولون السّعوديّون يشترطون على الأميركيين إقامة دولة فلسطينيّة وضمان حقوق الفلسطينيين في مُقابل الموافقة على تطبيع العلاقات بين الرّياض وتل أبيب.
أكّدت الرّياض على رأيها مِراراً منذ انطلقت شرارة المواجهة الأخيرة في قطاع غزّة. ورفضَت المطلب الأميركيّ بإدانة عمليّة “حماس”، وأصدرت الخارجيّة السّعوديّة بياناً قالت فيه إنّ ما آلت إليه الأوضاع في غزّة سببه استمرار الاحتلال وإنكاره لحقوق الفلسطينيين.
وهذا أيضاً ما أكّده وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان ووزير الخارجيّة الأمير فيصل بن فرحان في اللقاءات التي جمعتهما مع وزير الخارجيّة الأميركيّ أنتوني بلينكن. وصلَ الأخير ليل السّبت الماضي إلى الرّياض في إطار جولة على دول المنطقة تزامناً مع حشد الجيش الإسرائيليّ على حدود غزّة وإعلان “القناة 12” أنّ الجيش سيبدأ اجتياح القطاع فجراً.
طلب لقاءَ وليّ العهد، إلّا أنّه أُبلِغَ أنّ “جدول مواعيد وليّ العهد مُزدحمٌ ويُمكنه العودة في وقتٍ لاحق”. غادرَ بلينكن إلى دولة الإمارات، وبعد منتصف الليل نقلَت صحيفة نيويورك تايمز أنّ الجيش الإسرائيليّ جمّد العمليّة البرّيّة “بسبب الطّقس”، فاستقبل بن سلمان بلينكن في تمام السّاعة السّابعة والنّصف صباحاً.
في اللقاء كان بن سلمان واضحاً لجهة أنّ تهجير سكّان القطاع واستمرار القصف الإسرائيلي العشوائي على غزّة ومنع دخول المُساعدات الطّبيّة والغذائية قد تكون لها انعكاسات سلبيّة على المنطقة. وأكّد لضيفه الأميركيّ أنّ تقويض قيام دولة فلسطينيّة لن يخدم الأمن والاستقرار في الشّرق الأوسط.

إقرأ أيضاً: إسرائيل تهتزّ والسعودية تلتزم حل الدولتين..

يشير مصدرٌ سعوديّ مُطّلع على دوائر القرار في المملكة إلى أنّ اجتياح القطاع غير مقبول وستعمل الرّياض على منعه بكلّ الوسائل الدّبلوماسيّة والسّياسيّة المُتاحة. إذ من شأن هذه العمليّة ضربُ عمليّة السّلام في المنطقة، خصوصاً إذا ما نجحت تل أبيب عسكريّاً، فهي ستُسارع لترجمة ذلك في السّياسة، وحينئذ ستفتح شهيّة الحكومة التي يُهيمِنُ عليها المُتطرّفون لضمّ مناطق في الضّفّة وعدم تقديم أيّ تنازل للفلسطينيين.
تكمن الخشية أيضاً في أن يكونَ هدف نتانياهو تدمير القطاع وتركه للدّول العربيّة والمجتمع الدّولي. وهذا ما دفع الرّئيس الأميركيّ جو بايدن إلى القول إنّ “احتلال غزّة خطأ كبير”.

 

لمتابعة الكاتب على تويتر: IbrahimRihan2@

مواضيع ذات صلة

وزير المال “مضغوط”… وممنوع من الاستقالة!

لا يَنقص حكومة الرئيس نجيب ميقاتي سوى استقالة وزير في حكومة مستقيلة تصرّف الأعمال وكان الرئيس السابق ميشال عون أصدر قبل يوم واحد من مغادرته…

“طَلَبَها” برّي والقائد لبّى: تسوية الحربيّة لم تنهِ الخلاف!

تَشبّعت التسوية التي رافقت حلّ أزمة نتائج الكلّية الحربية بكمّ كبير من الرسائل السياسية التي ستطبع تطوّرات المرحلة المُقبِلة الساخنة داخلياً على صعيد رئاسة الجمهورية…

رصاصة ترامب تصيب بيروت

من حيث يدري أو لا يدري، لم يصِب الشابّ العشريني في بنسلفانيا برصاصته فقط أذن دونالد ترامب، بل أصاب معها جملة من الاستحقاقات التي كنّا…

وحدة السّاحات “السُّنّيّة”.. إيران تلزّم “الحركة” التنظيمات السُّنّية؟

في حين يكثر الحديث عن سيناريوهات مختلفة لإدارة قطاع غزّة بعد أن تضع الحرب أوزارها ضمن ما يعرف بـ”اليوم التالي”، ليس بينها حركة حماس، يستعدّ…