المستحيلان: التعامل مع حماس.. أو القضاء عليها..

2023-10-21

المستحيلان: التعامل مع حماس.. أو القضاء عليها..


أخطر ما في حرب غزّة المقبلة أنّ كلّ الاحتمالات فيها مفتوحة، والوضع الحالي شديد “السيولة”، والتدحرج نحو الانتقال من قواعد اشتباك مضبوطة تتّجه الآن بقوة نحو الانزلاق والخروج عن سيطرة كلّ اللاعبين.

في الحرب الروسية – الأوكرانية هناك هجوم، وهجوم مضادّ، وردع وردع مضادّ بين دول ذات جيوش نظامية لديها حسابات تقليدية.

في حال حرب غزّة هناك فصيل مقاوم ميليشاوي يتساوى عنده الموت مع الحياة وذو عقيدة استشهادية مقابل جيش نظامي عاش طوال عمره معتمداً على هيبة وسطوة الجيش الذي لا يقهر والقادر على حفظ الأمن القومي للدولة العبرية والشعب اليهودي.

الآن هذه الحرب لها نتائج مذهلة.

ضربة كاسحة في الصميم للكبرياء الأمني للجيش الإسرائيلي دامت 36 ساعة من 7 إلى ما بعد ظهر يوم 8 تشرين الأول.

ضربات هستيرية من مساء يوم 8 تشرين الأول حتى الآن من الجيش الإسرائيلي استُخدمت فيها أكثر من عشرة آلاف طن من المتفجّرات، وهو أكثر ممّا استخدمه الجيش الأميركي في غزو العراق أو في آخر أسبوع من قصف هانوي أو استخدمته إسرائيل في ضرب الحزب.

أخطر ما في حرب غزّة المقبلة أنّ كلّ الاحتمالات فيها مفتوحة، والوضع الحالي شديد “السيولة”، والتدحرج نحو الانتقال من قواعد اشتباك مضبوطة تتّجه الآن بقوة نحو الانزلاق والخروج عن سيطرة كلّ اللاعبين

الطريق المسدودة

كلّ الحلول الممكنة أو المفترضة تؤدّي نظرياً وعملياً إلى طريق مسدودة.

الخيار الاول: لو استجاب نتانياهو للمكوّن المتشدّد من حكومته في العمليات العسكرية لفقد دعم بني غانتس والمعارضة، ولو فعل العكس لفقد أركان حكومته اليمينية.

الخيار الثاني: لو قام نتانياهو بعمليات نوعية لتحرير الرهائن لوضع حياتهم في خطر عظيم، ولو طبّق قانون “هنيبعل” الذي يتيح للجيش التضحية بالرهائن لما أفلت من مطاردة عائلات وذوي الرهائن.

الخيار الثالث: لو قايض نتانياهو الأسرى مقابل المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية لدفع ثمناً باهظاً في التبادل وفي ردّ الفعل من الرأي العامّ.

الخيار الرابع: لو دخل غزّة وقام بعمليات نوعية خاطفة لما أدّى ذلك إلى الهدف الكبير وهو إنهاء غزّة، وليس “حماس” فقط.

الخيار الخامس: لو دخل غزّة بهجوم برّي شامل وتموضع فيها استراتيجياً بهدف تقسيمها إلى 3 أجزاء من شرق المدينة والقطاع لأصبح جيشه مصيدة لحرب العصابات.

لو أصرّ نتانياهو على القيام بضربة مفرغة من أجل نزوح عظيم من غزّة نحو الحدود المصرية لخسر مصر إلى الأبد، ولفقد أيّ تعاون شخصي أو سياسي مع القاهرة بعد ذلك.

ولو لم يقم بضربة مفرغة فسوف يتعيّن عليه أن يدخل جهنّم التي يتجنّبها أيّ جيش نظامي محارب وغازٍ، وهي أن يكون مسرح عملياته داخل مدن مأهولة بالسكان المدنيين.

لو استخدم جيشه القنابل الأميركية الخازوقية (JDAM) التي تراوح زنتها من 2.5 إلى 4 أطنان وتحدث حفرة في الأرض يراوح عمقها من 30 إلى 50 متراً من أجل الوصول إلى مراكز أنفاق “حماس” السرّية فإنّ حجم الدمار سيكون هائلاً ومكلفاً، خاصة أنّ بعض مراكز “حماس” تحت الأرض أعمق من المدى التدميري لهذه القنابل بعشرين متراً على الأقلّ.

التعامل مع “حماس” الآن مستحيل إسرائيلياً، والقضاء عليها نهائياً غير عملي، وخلق سلطة بديلة صعب للغاية وغير شعبوي فلسطينياً

السؤال الكبير

لو فعلها وانتصر بمفهومه انتصاراً مؤكّداً بمعنى:

1- القضاء على “حماس”.

2- تحرير كلّ الرهائن.

3- القبض على قادة “حماس” من كلّ المستويات.

4- تدمير البنية التحتية.

لو حدث كلّ ذلك، وهو مستحيل من دون خسائر عظيمة للطرف الإسرائيلي، فإنّ السؤال العظيم هو: هل تكون “حماس” التنظيم والأنصار والفكرة والمعنى قد انتهت إذا ما استمرّ الاحتلال؟

وهل تكون “حماس” الجديدة، حتى لو كانت صناعة إسرائيلية خالصة، ذات شعبية بين أهل غزّة وفي القطاع وبين الشعب الفلسطيني؟

التعامل مع “حماس” الآن مستحيل إسرائيلياً، والقضاء عليها نهائياً غير عملي، وخلق سلطة بديلة صعب للغاية وغير شعبوي فلسطينياً.

نأتي للسؤال الكبير الذي لا يعلوه سؤال وهو: ماذا ستفعل يا نتانياهو أو من يخلفك بالشعب الفلسطيني؟

لا تستطيع قتل كلّ الفلسطينيين، ولا تستطيع إدخالهم في دولتك، ولا تريد إعطاءهم دولة، وأصبحوا الآن لا يؤمنون بفكرة “تحسين شروط الاحتلال”. إذاً ماذا ستفعل؟

لا تستطيع تهجيرهم إلى سيناء والضفّة، ولا تستطيع إعادة احتلالهم إلى الأبد، ولا تستطيع مفاوضتهم من أجل الاستقلال، ولا تستطيع إلغاء المستوطنات التي تمّت شرعنتها بقرار من الكنيست؟

لا تستطيع، لو كنت نتانياهو، أن تضمن أيّ خروج مشرّف من السياسة، ولا تستطيع بعد الحرب الهروب من حساب التقصير السياسي والأمني أو حساب الفساد الشخصي.

ميت أنت لا محالة يا نتانياهو، سواء حاربت أو سالمت، اقتحمت وانسحبت أو حاربت وبقيت في غزة، استجبت لرجاء بايدن بالمرونة أو تشدّدت.

إقرأ أيضاً: هل هي حرب التصفية أم التسوية؟ (3)

ذات يوم سألت صحافية إسرائيلية متخصّصة في شؤون الكنيست الإسرائيلي عن رأيها في رئيس الوزراء الجديد “بيبي نتانياهو” فقالت لي: “أعرف هذا الوغد منذ سنوات. إنّه أكبر كاذب في التاريخ، لذلك إذا قال أيّ شيء حتى لو كان صباح الخير فلا تصدّقه”.

الآن والآن فقط، يواجة الرجل الذي حكم إسرائيل قرابة 3 عقود بالكذب والغشّ والمراوغة والوعود الزائفة لحظة الصدمة التاريخية التي سوف تصل به إلى معادلة شخصية مخيفة وهي “أنّه خاسر لكلّ شيء، حتى لو انتصر الآن في كلّ شيء”.

لمتابعة الكاتب على تويتر: Adeeb_Emad@

مواضيع ذات صلة

“الدّولة” تتصدّع: من أميركا وفرنسا.. إلى شرقنا الأوسط

عنوان الغلاف في عدد مجلة “الإيكونومست” الأخير: “لا طريقة لإدارة الدولة”. وهمُّ كُتّاب العدد “إدارة الدولة الأميركية”. لكنّهم يُعنَون أيضاً بإدارة الدولة الفرنسية، ويُعنَون بإدارات…

نتنياهو يبحث عن اغتيال يبرّر به قبول الهدنة؟

يبحث بنيامين نتنياهو عن ضربة عسكرية مفعولها أمنيّ ومعنوي كبير مثل اغتيال محمد الضيف لتعوّض له الموافقة المحتملة على الهدنة. يوظّف محاولته شطب قائد كتائب…

هل هناك مَن سعى لقتل “الترامبيّة”؟

هل كانت محاولة لاغتيال “الترامبية”، التي راحت تتمدّد وتجد لها حلفاء من أوروبا إلى روسيا، مروراً بجماعات التطرّف في العالم؟ وهل قًتل احتمال معرفة دوافع…

الحزب أسير انتصاره

ثمّة انتصارات أخطر على أصحابها من الهزائم. هذا ما بات يدركه زعيم ميليشيا الحزب حسن نصرالله، ويحاول تفادي تبعاته بقوله قبل أيام إنّه “إذا حصل…