إصرار “أبو عمّار” على “غزّة وأريحا أوّلاً”


ستنتقم إسرائيل من الهزيمة التي لحقت بها، وهي هزيمة لا سابق لها منذ قامت قبل 75 عاماً. ستساعدها في الانتقام الطريقة التي نفّذت بها “حماس” هجومها على المستوطنات الإسرائيلية الواقعة في ما يسمّى غلاف غزّة. أفقد هذا الهجوم القضيّة الفلسطينية التعاطف الدولي، خصوصاً بسبب قسوته التي لا توصف. لن يمنع التهديد الإيراني بإشعال المنطقة الانتقام الإسرائيلي الذي بلغ حدّه الأقصى في الوحشية حين أعلنت منظمة اليونيسيف أنّ الجيش الإسرائيلي قتل حتى الآن 700 طفل فلسطيني. إذا وضعنا جانباً الكلام الإيراني الكبير والشعارات الفضفاضة، ستعمل إيران في المستقبل المنظور على هضم الانتصار الذي حقّقته عبر “حماس”، على حساب الشعب الفلسطيني، في انتظار خطوة أخرى تقدم عليها مستقبلاً.
ستسعى إسرائيل، التي لم تترك لنفسها خياراً آخر غير الانتقام، إلى محو غزّة من الوجود بدءاً بنقل قسم كبير من سكّانها إلى مناطق محاذية للقطاع، ذي الساحة المحدودة أصلاً، أو في جنوبه. ستنفّذ ذلك فيما العالم يتفرّج عليها في ضوء نتائج عملية “طوفان الأقصى”.
في ظلّ المأساة التي يعيشها القطاع، تدفع غزّة ثمن غياب السياسة. هناك غياب للسياسة على مستويات عدّة بدءاً بالسياسة الإسرائيلية العمياء… وصولاً إلى الغياب العربي، مروراً في طبيعة الحال بالاختراق الإيراني لـ”حماس” الذي هو دليل على الارتباط العضوي بين الإخوان المسلمين و”الجمهوريّة الإسلاميّة”.
تجاهلت السياسة الإسرائيلية التي اتّبعها بنيامين نتانياهو، واليمين الإسرائيلي عموماً، واقعاً لا مجال لتجاوزه. يتمثّل هذا الواقع في استحالة تصفية القضيّة الفلسطينية من منطلق أنّ الشعب الفلسطيني غير موجود. الشعب الفلسطيني موجود أكثر من أيّ وقت. ثمّة مستوى آخر للغياب السياسي، هو المستوى الفلسطيني نفسه. منذ وفاة ياسر عرفات في الحادي عشر من تشرين الثاني من عام 2004، إلى استيلاء “حماس” على غزّة منتصف عام 2007، لا وجود لأيّ سياسة فلسطينية تجعل المجتمع الدولي، بمن في ذلك إسرائيل، يأخذ في الاعتبار السلطة الوطنيّة في رام الله. رفضت هذه السلطة التصرّف بطريقة تؤكّد أنّها مسؤولة عن الشعب الفلسطيني في الضفّة الغربيّة وغزّة، وقبلت الأمر الواقع الذي فرضته “حماس” في القطاع بدءاً بالقضاء على “فتح” عبر التنكيل بأعضائها بطريقة مشينة.

كشفت حرب غزّة أهمّية غزّة. كشفت لماذا اشترط ياسر عرفات في عام 1993 من أجل توقيع اتفاق أوسلو وجود صيغة “غزّة وأريحا أوّلاً”

يبقى الأهمّ من ذلك كلّه، أنّ إسرائيل حصدت في نهاية المطاف ما زرعته عندما حاربت “فتح” والسلطة الوطنيّة وغضّت الطرف عن نشاطات “حماس” التي لعبت منذ تسعينيات القرن الماضي دوراً، عبر عمليات انتحاريّة. استهدفت العمليات الانتحاريّة لـ”حماس” في معظم الأحيان مدنيين. فعلت ذلك من أجل الحؤول دون تحقيق أيّ تقدّم على صعيد عملية السلام. كانت إسرائيل تقف في كلّ وقت موقف المتفرّج، وكان اليمين فيها الذي يمثّله “بيبي” نتانياهو يشجّع كلّ ما من شأنه نسف اتفاق أوسلو أو أيّ إتفاق آخر مكمّل له. اعتبرت إسرائيل نفسها المستفيد الأوّل من تكريس الانقسام بين الضفّة الغربيّة وغزّة ابتداء من منتصف 2007.
استثمرت إسرائيل في كلّ ما من شأنه تعميق الانقسام الفلسطيني، فيما استثمرت “الجمهوريّة الإسلاميّة” في “حماس”. كان الاستثمار الإيراني في محلّه لأنّه صبّ في تمكين اليمين الإسرائيلي من وضع يده على القرار الإسرائيلي، الرافض لأيّ سلام من جهة، وحوّل “حماس”، من جهة أخرى، إلى المتحكّم بقرار السلم والحرب الفلسطيني، على غرار تحكّم الحزب بقرار السلم والحرب في لبنان.
تبقى أخيراً المسؤولية العربيّة عن تجاهل ما يجري في غزّة التي كانت حتّى عام 1967 تحت السيادة المصريّة. كان هناك استخفاف عربي بأحداث غزّة التي امتلكت في مرحلة معيّنة مطاراً دولياً خاصاً بها. بعد بنائه، اُفتُتح المطار في 24 تشرين الثاني عام 1998 في حضور الرئيس بيل كلينتون والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. بدا افتتاح المطار وقتذاك دليلاً على التقدّم نحو قيام الدولة الفلسطينية التي لا مفرّ من قيامها يوماً.
في غياب “أبو عمّار”، لعب الإهمال دوره في إفلات غزّة من اليد العربية وفي بلوغ الوضع ما بلغه في أيّامنا هذه. لم يعد السؤال: ما الذي يمكن عمله دفاعاً عن غزّة؟ بل السؤال: هل ما يمكن أن يحول دون تهجير أهلها تحقيقاً لحلم إسرائيلي قديم ردّده غير مسؤول إسرائيلي قبل الانسحاب منها في آب 2005؟
في مرحلة ما قبل الانسحاب كانت غزّة كابوساً. بقيت كابوساً بعد الانسحاب، خصوصاً مع وضع “حماس” يدها على القطاع، وحتّى قبل ذلك، عندما راحت تطلق الصواريخ في اتجاه المستوطنات القريبة من غزّة. وفّرت تلك الصواريخ فرصة لأرييل شارون، الذي اتّخذت حكومته قرار الانسحاب من القطاع، ليقول: “لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه”.
لم يتحمّل العرب يوماً مسؤوليّاتهم تجاه غزّة. لم يوجد من يقول لـ”حماس” إنّ تصرّفاتها تخدم اليمين الإسرائيلي. الأكيد أنّ ما أقدمت عليه الحركة، التي هي جزء لا يتجزّأ من تنظيم “الإخوان المسلمين”، الحلّ السياسي بات اليوم ضرورة أكثر من أيّ وقت. صحيح أنّ إسرائيل لا تستطيع سوى أن تنتقم، لكنّ الصحيح أيضاً أن لا مفرّ من حلّ سياسي في نهاية المطاف، وهو الحلّ الذي يفترض في العرب الواعين البحث في الأسس التي يُفترض أن يقوم عليها.

إقرأ أيضاً: سيناريو السلام: لا سادات فلسطيني ولا كيسنجر أميركي

كشفت حرب غزّة أهمّية غزّة. كشفت لماذا اشترط ياسر عرفات في عام 1993 من أجل توقيع اتفاق أوسلو وجود صيغة “غزّة وأريحا أوّلاً”. كان إصراره على وجود رابط بين القطاع والضفّة. كان تدمير هذا الرابط هدفاً من أهداف اليمين الإسرائيلي و”حماس” في آن، وذلك في انتظار اليوم الذي تنقضّ فيه “حماس” على الضفّة.
يقضي الواجب العربي باستعادة هذا الرابط من منطلق أنّ كلّ ما قامت به “حماس” منذ تأسيسها خدم مشروعاً نادى به اليمين الإسرائيلي دائماً وأبداً. كان، وما يزال، مشروعاً يقوم على تصفية القضيّة الفلسطينية عبر تجاهل شعب لا يمكن تجاوزه.

إقرأ أيضاً

لبنان ما زال في بوسطة عين الرمّانة!

مرّت ذكرى 13 نيسان. لا يزال شبح بوسطة عين الرمّانة مخيّماً على الحياة السياسيّة اللبنانيّة. ولا يزال اللبنانيون في خصام مع المنطق. لا يزال اللبنانيون…

لبنان بعد الردّ الإسرائيلي على إيران؟

لا يمكن الاستسهال في التعاطي مع الردّ الإيراني على استهداف القنصلية في دمشق. بمجرّد اتّخاذ قرار الردّ وتوجيه الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل، فإنّ ذلك يعني…

“حصانة” إيران أم “الحصن” الإسرائيليّ؟

لماذا تعمّدت طهران ليلة السبت المنصرم الكشف عن كلّ تفاصيل خطة الهجوم الذي أعدّته ضدّ تل أبيب انتقاماً لاستهداف قنصليّتها في دمشق قبل أسبوعين والتسبّب بسقوط قيادات…

بايدن الرابح الأكبر من الضربة الإيرانيّة لإسرائيل

 ربح جو بايدن مزيداً من “المونة” على إسرائيل يمكّنه من لجم اندفاعها العسكري ضدّ إيران بعد توظيفه الدفاع عنها في المشهد الانتخابي. اكتسبت طهران موقع…