رؤية الحزب الجديدة: لبنان وطن نهائيّ ولا بديل عن الطائف


على الرغم من أنّ الحزب لم ينجز وثيقته السياسية الثالثة كي يتمّ إعلانها في مؤتمر عامّ، فإنّ المواقف التي أطلقها مسؤولو الحزب أخيراً، سواء بشكل علني أو في اللقاءات الخاصّة، تؤكّد أنّ الحزب توصّل إلى مجموعة ثوابت سياسية يعمل على أساسها في هذه المرحلة وستشكّل المبادىء الجديدة التي يستند إليها في رؤيته المستقبلية.فما هي أبرز هذه الأسس والمبادىء؟ولماذا اعتمد الحزب هذه الرؤية اليوم بانتظار إطلاق وثيقته السياسية الثالثة؟
قبل الإجابة على هذه الأسئلة لا بدّ من التذكير أنّ الوثيقة السياسية الأولى التي اعتمدها الحزب عند انطلاقته هي “الرسالة المفتوحة” التي أُطلقت في 16 شباط من عام 1985 خلال مؤتمر صحافي للناطق الرسمي باسمه آنذاك العلّامة السيّد إبراهيم أمين السيّد، الذي يتولّى اليوم رئاسة المجلس السياسي في الحزب، وتضمّنت هذه الوثيقة الرؤية الفكرية والسياسية للحزب التي تؤكّد الالتزام بولاية الفقيه والدعوة إلى قيام الدولة الإسلامية ومواجهة الاستكبار العالمي والنظام اللبناني آنذاك.
لكن بعد 24 سنة على تلك الوثيقة أطلق الحزب الوثيقة السياسية الثانية في تشرين الثاني من عام 2009 بعد تطوّرات كبيرة داخلياً وخارجياً وتغييرات على المستوى التنظيمي والفكري للحزب الذي لم يتخلّ عن الالتزام بولاية الفقيه والمقاومة، لكنّه قدّم رؤية جديدة لعلاقته بالدولة في لبنان وتخلّى عن الدعوة إلى قيام الدولة الإسلامية عمليّاً وانخرط في النظام اللبناني بكلّ تجلّياته، وتميّزت الوثيقة السياسية الثانية بلغة جديدة داخلياً وخارجياً.

الحزب مع الانفتاح على كلّ الدول العربية والإسلامية وأن تكون للبنان علاقات مع كلّ دول العالم (باستثناء الكيان الصهيوني)، وودعوته إلى الانفتاح على الشرق لا تعني تخريب العلاقة مع الغرب

17 تشرين 2019.. واتفاق الصين
منذ عام 2009 إلى اليوم شهدت مسيرة الحزب تطوّرات خارجية، ولا سيّما بعد تعاظم دوره الإقليمي والمشاركة في الحرب في سوريا، وأخرى داخلية كان أهمّها الحراك الشعبي في 17 تشرين الأول من عام 2019 وتفاقم الأزمة الاقتصادية والماليّة والسياسية، وصولاً إلى الاتّفاق السعودي – الإيراني وتغيّر الأوضاع في المنطقة.
كان من المفترض أن يقدّم الحزب رؤيته السياسية الجديدة لمواكبة كلّ هذه المتغيّرات، لكنّ قيادة الحزب فضّلت تأجيل ذلك نظراً للتطوّرات الداخلية وتأزّم الأوضاع، واتجهت إلى إطلاق سلسلة مواقف ومبادئ يلتزم بها الحزب اليوم وتردّ على الإشكالات والأسئلة التي تُطرح عن دوره ورؤيته المستقبلية.
من هذه المبادئ والأسس التي ترد على لسان المسؤولين فيه أو يتمّ الحديث عنها خلال اللقاءات مع المسؤولين في الحزب:
أوّلاً: الالتزام الكامل بنهائية الكيان اللبناني ورفض التقسيم والفدرالية وأيّ تغيير في النظام الحالي.
ثانياً: الالتزام الكامل باتفاق الطائف وعدم المطالبة بأيّ تغيير في بنوده والدعوة إلى تطبيقه بالكامل. في ضوء ذلك وفي حال حصل توافق وطني على إجراء بعض التعديلات الدستورية يكون الحزب جاهزاً لذلك، والمطلب الوحيد الذي يطرحه الحزب اليوم خفض سنّ الاقتراع إلى 18 سنة.
ثالثاً: الاستعداد للحوار في الاستراتيجية الدفاعية، والحزب لديه رؤية كاملة في هذا الإطار، وهو مستعدّ لطرحها في أيّ مؤتمر يُعقَد، سواء قبل انتخاب رئيس الجمهورية أو بعده.
رابعاً: الانفتاح والحوار مع كلّ الأطراف السياسية والحزبية، سواء في مؤتمر وطني داخلي أو في مؤتمر برعاية عربية أو دولية، والهدف الأساس هو انتخاب رئيس جديد للجمهورية يُطمئن المقاومة ويكون قادراً على تبنّي مشروع الإنقاذ ومعالجة المشكلات الأساسية في البلاد.
خامساً: الحوار مع كلّ المرجعيات الدينية والمؤسّسات الثقافية والحوارية في كلّ الهواجس والمخاوف، لكنّ الحزب يرفض مشروع الحياد والفدرالية ولا يشارك في أيّ مؤتمر أو ورشة عمل تتعلّق بهذا الأمر، لكنّه لا يمانع إجراء حوار في دوره الإقليمي وعلاقات لبنان العربية والدولية.

على الصعيد العربي والإسلامي يدعم الحزب الاتفاقات الجديدة بين الدول العربية والإسلامية، ويرفض المساس بأمن الدول واللجوء إلى العنف للتغيير

الانفتاح على العرب… ومواجهة الفساد
سادساً: الحزب مع الانفتاح على كلّ الدول العربية والإسلامية وأن تكون للبنان علاقات مع كلّ دول العالم (باستثناء الكيان الصهيوني)، وودعوته إلى الانفتاح على الشرق لا تعني تخريب العلاقة مع الغرب.
سابعاً: الحزب لا يطرح نفسه بديلاً عن أحد على الصعيد السياسي، وهو مستعدّ للتعاون مع كلّ القوى الإصلاحية والتغييرية لإصلاح النظام اللبناني ومواجهة الفساد ضمن آليّات مجدّدة ومن ضمن المؤسّسات الدستورية، ولا يدعو إلى الانقلاب على النظام الحالي أو طرح مشروع بديل.
ثامناً: على الصعيد الاقتصادي والمالي يدعو الحزب إلى اعتماد أسس جديدة تعيد الثقة بالنظام الماليّ وتبني اقتصاداً جديداً من خلال دعم الزراعة والصناعة وتعزيز دور الدولة في كلّ المجالات.
تاسعاً: في ما يرتبط بالمقاومة والصراع مع العدوّ الصهيوني، ما يزال الحزب متمسّكاً بثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة”، ويلتزم بما تقرّره الدولة بشأن الحدود، لكنّه لن يتخلّى عن دعم الشعب الفلسطيني والمقاومة، ويؤكّد أنّ خيار المقاومة هو الخيار الوحيد لمواجهة العدوّ الصهيوني.
عاشراً: على الصعيد العربي والإسلامي يدعم الحزب الاتفاقات الجديدة بين الدول العربية والإسلامية، ويرفض المساس بأمن الدول واللجوء إلى العنف للتغيير، ويؤكّد أهميّة التعاون العربي والإسلامي لمواجهة كلّ التحدّيات الجديدة، وخصوصاً المسّ بالمقدّسات الدينية والسعي إلى تغيير القيم الاجتماعية والدينية.
حادي عشر: يدعم الحزب الحوار الإسلامي – المسيح،  ويؤكّد انخراطه في كلّ الأنشطة الحوارية، ويدعم المؤسّسات والمرجعيات الدينية الناشطة في مجال الحوار.

إقرأ أيضاً: الحزب والسعودية: رسائل غير مباشرة تمهيداً للحوار؟

هذه أبرز الأسس والمبادىء التي يلتزمها الحزب اليوم، وقد تحدّث المسؤولون عنها بشكل علنيّ متفرّق مؤخراً، وتقوم مؤسّسات ومراكز الحزب بمتابعة الحوار فيها مع مختلف المجموعات والشخصيات الحوارية.
فهل تشكّل هذه الأسس والمبادئ منطلقاً لطمأنة كلّ القوى السياسية والحزبية والمكوّنات الطائفية ومدخلاً لحوار وطني شامل؟ أم يستمرّ التشكيك في سياسات الحزب من قبل الأطراف الأخرى؟

 

لمتابعة الكاتب على تويتر:  kassirKassem@

إقرأ أيضاً

“سابقة موريس سليم”: الطعن بتعيين رئيس الأركان!

 سجّل وزير الدفاع موريس سليم سابقة لم تعرفها حكومات ما قبل الطائف ولا بعده من خلال الطعن أمام مجلس شورى الدولة بقرار تعيين رئيس الأركان…

نقابة المهندسين: لماذا تعاقب طرابلس تيار المستقبل؟

عقب عودة الرئيس الحريري النسبية إلى الأجواء السياسية في ذكرى 14 شباط، أراد تيّار المستقبل تدشين عودته إلى الملعب السياسي عبر بوّابة انتخابات نقابة المهندسين،…

الحزب لباسيل: الكلمة للميدان!

لم تلقَ رسالة النائب جبران باسيل إلى الدول الأعضاء في مجلس الأمن أيّ ردّ علني حتى الآن من الحزب في شأن الدعوة إلى صدور “قرار…

ماذا يحدث في “القنوات الخلفيّة” بين واشنطن وطهران؟

لا تتعلّق حسابات واشنطن فقط بشكل الرّدّ الإيرانيّ على قصف قنصليّة طهران في دمشق. إذ ترتبط أيضاً بشكلِ الرّدّ الإسرائيليّ على الضربة الإيرانيّة ليل السّبت…