الصحافة اللبنانيّة عاصمتها جريدة “السفير”

2023-08-27

الصحافة اللبنانيّة عاصمتها جريدة “السفير”


كان أوّل لقاء لي مع الحبيب طلال سلمان، رحمه الله، تصادمياً، وقد أفسد حفل العشاء الذي كان مقاماً على شرف شخصي الضعيف في مطعم “مهنا” ببيروت الجميلة.
عاش أبو أحمد عربياً، قومياً، عاشقاً لمصر عبد الناصر، ولا يرى فيها إلّا مصر “الزعيم الخالد”. وكنت أنا دائماً أرى أنّ قوّة مصر منذ بدء التاريخ حتى قيام الساعة كامنة في “شخصيّة شعبها” المتفرّدة، كما وصفها الكاتب والعالم العبقري الدكتور جمال حمدان في مؤلّفه العظيم “شخصيّة مصر”.

35 عاماً من المشاكسة والتعلّم
أكثر من 35 عاماً جمعتني مع “أبي أحمد”، أشاكسه وأشاغبه وأتعلّم منه الكثير الكثير. وذات يوم طلبت منه أن يأتي زائراً لمصر كي يرى “مصر الجديدة” في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، رحمه الله، بعدما غاب عنها طويلاً، وقلت له: “أنت إنسان لا يمكن التأثير عليك إلّا بما ترى وتفهم وتقتنع، لذلك تعال يا سيدي وشوف بنفسك أحوالنا”.
ردّ “أبو أحمد” بحزن مقلق وغضب مكتوم: “أنا ممنوع من زيارة مصر منذ سنوات طويلة”.
بصراحة أحزنتني هذه المعلومة ثمّ سألته: “يعني لو تمّ رفع المنع فهل يمكن أن تزور القاهرة؟”.
ردّ على الفور: “بشرط واحد أن أكون ضيفك وليس ضيف الحكومة”.
عدت إلى القاهرة ورجوت الرئيس مبارك أن يتمّ رفع المنع وعدّدت له أهميّة أن لا يُتّخذ مثل هذا الإجراء مع رجل بقيمة وقامة الأستاذ طلال سلمان. طلب منّي الرئيس مبارك أن أعاود الاتصال صبيحة اليوم التالي، وبالفعل اتّصلت فوجدته يقول لي ساخراً: “أنت عارف أنّ صاحبك قد شتمنا بقسوة؟”.

كان أوّل لقاء لي مع الحبيب طلال سلمان، رحمه الله، تصادمياً، وقد أفسد حفل العشاء الذي كان مقاماً على شرف شخصي الضعيف في مطعم “مهنا” ببيروت الجميلة

بعد جدل طويل وصبر عظيم من الرئيس على إلحاحي وافق على رفع المنع وقال محذّراً: “خلّي بالك أنت المسؤول أمامي”.
بعد يومين سافرت إلى بيروت وأبلغت “أبا أحمد” الخبر السعيد فلم يصدّق في بدء الأمر، ثمّ قال لي مشترطاً: “سوف آتي الأسبوع المقبل. بس تاخدني من الطائرة المقبلة من بيروت وتوصّلني بعد الزيارة إلى الطائرة المغادرة ولا تتركني طوال فترة إقامتي”.
رتّبت برنامجاً لـ”أبي أحمد” يضمّ عشاء مع أصدقاء الستّينيات الذين افتقدهم، وقمت بتنظيم زيارة له لهيئة التصنيع العسكري ولقاء مع الأخ جمال مبارك، واللواء عمر سليمان، ورجل الأعمال الصديق الدكتور إبراهيم كامل.
اصطحبت “أبا أحمد” إلى مشروع مساكن “زينهم”، وهو منطقة شعبية تعاني بسبب المرافق السيّئة، وجعلته يزور مشروع إسكان حديث بناه الدكتور إبراهيم كامل على نفقته الخاصة لسكّان المنطقة.
خرج “أبو أحمد” من الزيارة بصورة صادقة عن مصر المحروسة في ذلك الوقت، ولأنّه يحترم ما يرى ويلمس، ولأنّه رجل لا يحرّكه سوى عقله، عاد إلى بيروت وكتب 3 مقالات في الصفحة الأولى من جريدة “السفير” يعكس فيها بأمانة كلّ ما عايشه في هذه الزيارة.
حينما قرأ الرئيس مبارك المقالات هاتفني قائلاً: “والله ده راجل محترم”.

الجورنالجي
رحل الأستاذ طلال سلمان عن عمر 85 عاماً بعد تسطيره في تاريخ الصحافة العربية فصلاً مجيداً من فصول الصحافة التي تحسن صناعة وصياغة الخبر والتقرير والتحقيق الصحافي، وبعد صنعه مدرسة مستنيرة تنشر الرأي والرأي الآخر في صفحات الرأي بجريدة السفير.
كان طلال سلمان أبعد ما يكون عن السعي إلى الإبهار في مأكله وملبسه، في مكتبه الصغير، في تواضع شكل مبنى الجريدة، لكنّه كان يهتمّ بفخامة ماكينات الطبع ونوع الأحبار، ونوعية المحرّرين والكتّاب ونوعية ورق الطباعة.
كان ما يمكن أن نطلق عليه “أسطى”، “معلّم”، “حرّيف”، “صنايعي” في كلّ تفاصيل ودقائق مهنته.

هو من يسمّونه في مصر “الجرنالجي”.
عاش لمهنته ومات من أجلها وتعرّض لمحاولة اغتيال دفاعاً عنها.
كنت أقول له دائماً ممازحاً: “لو أجرى الطبيب تحليلاً لك فسوف يكتشف أنّ حبر الطباعة يسيطر على دورتك الدموية”.
بعدما تقاعد واتّخذ القرار الصعب بإغلاق “السفير”، قابلته في مطعم “زاخيا” للأسماك في كورنيش الروشة، وقال لي: “كان لا بدّ من نهاية كريمة لهذا المشروع، والحمد لله أعطيت الجميع كلّ حقوقهم”.
ستبقى جريدة “السفير” تجربة رائدة في صحافتنا العربية، وسيبقى الأستاذ طلال سلمان صاحب مدرسة فريدة في الصحافة والنشر، وسيبقى عنوان مقاله الذي كتبه عقب عودته من القاهرة في قلبي وعقلي.
كتب الحبيب “أبو أحمد”: “مصر دولة عاصمتها عماد الدين أديب”، واليوم أكتب عنه قائلاً: “الصحافة اللبنانية عاصمتها التاريخية جريدة السفير”.
وداعاً يا “أبا أحمد” حتى نلتقي عند مليك مقتدر.

 

لمتابعة الكاتب على تويتر: Adeeb_Emad@

مواضيع ذات صلة

سقطة نصر الله إزاء قبرص مقابل “مبادرة” برّي لهوكستين

الخوف من العواقب هو الرادع الأساسيّ لتوسيع الحرب على جبهة جنوب لبنان. هو خوف على جانبَي الحدود ولا يقتصر على إسرائيل وحدها ولا على لبنان…

جعجع باسيل فرنجيّة الجميّل… وقضيّة وطن! (2/2)

شهيرة جدّاً معادلةُ “مورفي الأوّل” عن الثالوث الماروني في أزمة الرئاسة. كان ذلك سنة 1958. يومَ أرسلَ الرئيس الأميركي أيزنهاور موفدَه روبرت مورفي إلى بيروت،…

قبرص نجمتنا وخيمتنا

لم تعد بيروت نجمتنا أو خيمتنا كما قال الشاعر محمود درويش في قصيدته “مديح الظلّ العالي”. صارت قبرص اليونانية هي نجمة “الإمبراطورية” التي أعلنها الأمين…

إسرائيل تعرف… ولا تعترف

أهل فلسطين هم أكثر شعوب الأرض قاطبة من يجيد اللغة العبرية قراءة وكتابة ومحادثة. ليس فقط أولئك الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية أو يتعلّم أبناؤهم في…