إيران: المعركة في بدايتها… النصر أو الشهادة

هل أراد “الثنائي الشيعي” إحراق اسم سليمان فرنجية بترشيحه؟ أم أنّ هناك “أوراقاً مخفيّة”؟

في هذه السلسلة، محاولة لفكّ شيفرة هذا الترشيح.

في الجزء الثالث رحلة إلى “العقل الإيراني” و”العين الإيرانية”: كيف ترى لبنان؟ وهل آن أوان تقريش النفوذ الأمني في الأنظمة السياسية لـ”العواصم الأربع”؟

من يظنّ أنّ الجوع سيغيّر رأياً في إيران أو في حارة حريك، يكون قاصراً عن “معرفة” كيف يفكّر العقل الإيراني أوّلاً، وكيف يمارس لبنانيّو “ولاية الفقيه” أيديولوجية “المواجهة” و”الصمود” و”الانتصار”. فهذه ليست مصطلحاتٍ إنشائية أو تعبوية، بقدر ما هي تعبير عن التفكير العميق لأبناء إيران السياسيين في لبنان. فهذه الكلمات هي أركان العقل الذي يدير المعركة السياسية والعسكرية. العقل الذي يؤمن بحتمية الانتصار، والحتمية التاريخية لظهور الإمام المهدي ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً.

في محاولة فكّ شيفرة هذا العقل، يجب أن ننظر إلى سوريا، التي كانت بلاداً يعيش أهلها في الكفاف والأمان الأمني الصامت، وكيف تحوّلت إلى بلد جائع أهله تائهون يهيمون على وجوههم بين أوروبا وبلاد المنطقة، لاجئين ومهزومين.

من يظنّ أنّ الجوع سيغيّر رأياً في إيران أو في حارة حريك، يكون قاصراً عن “معرفة” كيف يفكّر العقل الإيراني أوّلاً، وكيف يمارس لبنانيّو “ولاية الفقيه” أيديولوجية “المواجهة” و”الصمود” و”الانتصار”

سوريا – لبنان: المقاومة ضدّ الثورة

وقفت إيران مع “الربيع العربي”، وقال المرشد الأعلى إنّه “صحوة إسلامية”. ظلّ هذا الكلام “سارياً” إلى أن قام أهل سوريا ضدّ حليف طهران، بشار الأسد. بالنسبة إلى الإيرانيين، “قامت الشعوب ضدّ حكّام ديكتاتوريين، وفاسدين، وعملاء لأميركا”. ينطبق هذا، بحسبهم، على زين العابدين بن علي في تونس، وعلى معمّر القذّافي في ليبيا، في آخر أيّامه، حين سلّم الغرب مشروعه النووي و”رفع العشرة”، وينطبق على حسني مبارك في مصر… لكنّه لا ينطبق على بشّار. ربّما يوافقك بعضهم على أنّه ديكتاتور، بل وفاسد، لكنّه “لم يكن عميلاً لأميركا”.

هنا علينا أن “نطنّش” عن إعلان ابن خاله، رامي مخلوف، بعد أسابيع من بدء الثورة، بأنّه “إذا لم يكن هناك استقرار هنا في سوريا فمن المستحيل أن يكون هناك استقرار في إسرائيل. ولا توجد طريقة ولا يوجد أحد ليضمن ما الذي سيحصل بعد، إذا لا سمح الله حصل أيّ شيء لهذا النظام” (نيويورك تايمز، 10 أيّار 2011).

وبالتالي، فإنّ العقل الإيراني يعتبر الثورة السورية “مؤامرة ضدّ المقاومة”. ويضعها في سياق واحد مع “ثورة تشرين العراقية” (2019) و”17 تشرين” في لبنان (2019) وثورة الحجاب (مهسا أميني) في إيران (2022)، باعتبارها محاولات لركوب موجة الثورة من أجل ضرب “مشروع المقاومة”.

من هنا فإنّ “الانهيار” الذي يظنّ اللبنانيون أنّ هناك من يبكيه ويتحسّر عليه في بلاد فارس، هو “هجوم” غربي على شاشة محور الممانعة. وبالنسبة إليه، لا يزال لبنان “جنّة”، قياساً إلى فنزويلا وسوريا واليمن والعراق. واستطراداً: لا تزال المعركة في بدايتها… ولا يزال الطريق طويلاً.

طريق الموت.. النصر أو الشهادة

لا مانع أن يسقط على هذا الطريق الطويل المئات جوعاً وانتحاراً، والآلاف في مراكب البحر والموت، ومئات الآلاف في طائرات الهجرة (230 ألفاً تقريباً منذ 2019، بحسب “الدولية للمعلومات”)، ومثلهم ربّما إذا بدأ القتال الأهلي.

هذا أمر عاديّ في بلاد المواجهة. وإذا عدنا إلى نظرية “العقل العميق” وليس الإنشاء التعبوي، فإنّ جملة “إمّا النصر أو الشهادة” تصير مفهومة في هذا المعنى.

“الانهيار” الذي يظنّ اللبنانيون أنّ هناك من يبكيه ويتحسّر عليه في بلاد فارس، هو “هجوم” غربي على شاشة محور الممانعة. وبالنسبة إليه، لا يزال لبنان “جنّة”، قياساً إلى فنزويلا وسوريا واليمن والعراق

مرجع دبلوماسي غير عربي يعتبر أنّ لبنان لم يصل بعد إلى الانهيار. بل ويذهب إلى أنّ “مصر عقدت اتفاق سلام مع إسرائيل، وحليفة أميركا، وتحصل على مساعدات من العرب، وعلى الرغم من هذا الجنيه تراجع كثيراً من 6 إلى 30 أمام الدولار”. برأيه أنّ “لبنان، حتى العام الفائت، كان أفضل من مصر”، وبالتالي فإنّ ترميم علاقات لبنان مع العرب والغرب لن يكون هو الحلّ، بل الحلّ بأن يصمد اللبنانيون في مواجهة “حرب التجويع”. تلك التي “تضرب عملات تركيا وإيران وسوريا ومصر ولبنان والعراق…”.

من يغوص عميقاً في كيفية تفكير المرجعية الخارجية لفريق 8 آذار، سيكتشف أنّ لبنان لا يزال ساحة مواجهة سياسية، إن لم يكن عسكرية. يسمع من يحاور هذا العقل أنّ “إيران لن تسلّم السعودية لبنان بحجّة أنّه انهار اقتصادياً”.

ردٌّ فيه الكثير من الصراحة، لكنّه يخفي رؤية لا علاقة لها بآلام اللبنانيين وجراحاتهم، ولا بانهيار نمط عيشهم السابق على الأزمة، وانعدام الأمان الصحّي والتعليمي، وتفكّك بنى الاقتصاد، من المصارف إلى الشركات الصغيرة، وانهيار الطبقة الوسطى.

لبنان: بكّير على فنزويلا

هذا العقل يرى لبنان بعين فنزويلا وإيران وسوريا. لبنان، الذي كان “سويسرا الشرق” ويشبّه نفسه بأوروبا وأقوى اقتصاداتها، بات مطلوباً منه أن يحمد ربّه لأنّ أهله لم يجوعوا كليّاً. وكأنّ المنطق يقول: “لبنان بعد بيحمل انهيار”. أي أنّ لبنان لا يزال في عافية قياساً إلى ما يعيشه الإيرانيون أو الفنزويليون.

الأهمّ أن لا إحساس بالذنب: “أميركا والعرب يحاصرون لبنان”. وانتهى الموضوع. أمّا سبب الحصار فهو: “يريدون معاقبة المقاومة والشعوب التي هزمت إسرائيل وأميركا في المنطقة”.

من أفغانستان تقرأ الرواية الممانعة لحكاية المنطقة وانهيارات اقتصادات شعوبها، في العراق وسوريا ولبنان واليمن. فأميركا “احتلّت أفغانستان في 2001 للهجوم على إيران، ثمّ احتلّت العراق في 2003 لمحاصرة إيران”. لا ضرورة للإشارة إلى أنّ إسقاط النظامين “السنّيَّين” اللذين كانا على عداء مع إيران هو أكبر خدمة تاريخية قدّمتها أميركا لإيران: “شكراً أميركا”، سيقول لك الإيرانيون، بابتسامة لطيفة.

إقرأ أيضاً: عين التينة: الحلول الإقليمية… آتية*

الأهمّ أنّ “أميركا لم تستطع أن تحكم العراق، لا ببول بريمر، ولا بإياد علاوي. وحين ذهبوا إلى الديمقراطية انتصر العراقيون الذين يحبّون إيران… فما ذنبنا؟”.

هكذا انتصرت إيران على أميركا في العراق، وحكمته. حتى لو أنّ ميليشيات إيران قاتلت تنظيم داعش كتفاً إلى كتف مع القوات الأميركية، إلا أنّ “داعش صنيعة أميركا”.

لبنان جائع؟ ليس بعد، وفق مقياس ريختر الإيراني… وهل لبنان أغلى من إيران وشعبها؟

في الجزء الرابع والأخير غداً:

رسائل الزيتون الإيرانية لإسرائيل.. والسعودية

لمتابعة الكاتب على تويتر: mdbarakat@

إقرأ أيضاً

لبنان ما زال في بوسطة عين الرمّانة!

مرّت ذكرى 13 نيسان. لا يزال شبح بوسطة عين الرمّانة مخيّماً على الحياة السياسيّة اللبنانيّة. ولا يزال اللبنانيون في خصام مع المنطق. لا يزال اللبنانيون…

لبنان بعد الردّ الإسرائيلي على إيران؟

لا يمكن الاستسهال في التعاطي مع الردّ الإيراني على استهداف القنصلية في دمشق. بمجرّد اتّخاذ قرار الردّ وتوجيه الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل، فإنّ ذلك يعني…

“حصانة” إيران أم “الحصن” الإسرائيليّ؟

لماذا تعمّدت طهران ليلة السبت المنصرم الكشف عن كلّ تفاصيل خطة الهجوم الذي أعدّته ضدّ تل أبيب انتقاماً لاستهداف قنصليّتها في دمشق قبل أسبوعين والتسبّب بسقوط قيادات…

بايدن الرابح الأكبر من الضربة الإيرانيّة لإسرائيل

 ربح جو بايدن مزيداً من “المونة” على إسرائيل يمكّنه من لجم اندفاعها العسكري ضدّ إيران بعد توظيفه الدفاع عنها في المشهد الانتخابي. اكتسبت طهران موقع…