الياس الرحباني: الموسيقار الرّحالة من حزب البعث والكتائب إلى فيروز وهيفاء وهبي..

“وداعاً لبنان… وداعاً للعباقرة، وداعاً للشرف والأخلاق…

وداعاً للمفكرين، ولمؤلفي عمالقة الموسيقى…

وداعاً لشُعراء مجد هذا الشرق الكبير…

وداعاً لقلعة بعلبك… ولبيت الدين…

وداعاً للأرز… أرز الرب…

وداعاً للكبار، من المُغنين والشعراء ومؤلفي الموسيقى”.

هذا ما كتبه الموسيقار الياس الرحباني منذ سنوات على صفحته الفيسبوكيّة. وداع كأنّه كان يرثي نفسه ويرثي دور الموسيقى والثّقافة في البلد.

رحيله إثر إصابته بفيروس الكورونا عن 83 عاماً في أوّل أيّام 2021 جاء طافحاً بمرارة لم يكن يحبّ أن يكبتها في حياته، بل كان حريصاً على التّعبير عنها، رافضاً الرّكون إلى الصّمت.

في إحدى مقابلاته، قال مباشرة إنّه كان يشعر أنّه كلب في وطنه، وأنّ تراثه العريض الذي يشمل أكثر من 6500 عملاً، والذي يجعل منه حالة فريدة لا مثيل لها في العالم، لم يمنحه قيمة استثنائيّة في بلده، بل تركه يعاني التّجاهل والإهمال، لذا في منشوراته وفي الكثير من خطاباته كان يصرخ ويشتم، رافضًا الدّخول في الموت الذي كان يُرسم له وللبلد.

مشوار الياس الفني كان منذ بدايته محاصرًا بتحدّي العيش تحت ظلال ظاهرة الأخوين رحباني وأسطوريتهما، ووطأة مشكلة جسديّة في يده اليمنى كادت أن تخرجه من درب الموسيقى بشكل كامل، لولا إصراره على تعلّم العزف بيده اليسرى والدّخول في مجال التّأليف الموسيقيّ. فقد خلق لنفسه مدرسة خاصّة تحاور مدرسة الأخوين رحباني وغيرها من المدارس، ولكنها تتمايز عنهم بمزاجها الميّال إلى صناعة مزيج من الشرقي والغربي الذي يلائم متطلّبات الخفّة والسّرعة من دون أن يغادر منطقة الطرب.

من النّادر العثورعلى سيرة فنية متنوّعة وصاخبة مثل سيرة الياس الرحباني.الرّجل الذي اشتهر ببثّ الخفة في الأغنيّة اللّبنانيّة وإدخال المزاج الغربي على الألحان الشرقية، سبق له أن لحّن نشيد حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ المكتوب بلغة الشاعر سليمان العيسى المغرقة في الرّصانة، كما لحّن كذلك نشيد حزب الكتائب وغيرها من الأناشيد الّتي جاء بنائها الموسيقيّ واللغويّ منتمياً إلى روح المرحلة الناصريّة وأناشيدها الشهيرة .

يصعب تصديق أنّ الشخص نفسه الذي نجح في لحظة ما في تقمّص روح الأناشيد وثقلها هو نفسه الذي لحّن أكثر أغنيات ىالأطفال شيوعاً وتكراراً وشهرة منذ السّبعينات من قبيل “عمي بو مسعود”، و”كلّن عندن سيارات”، و”طلع الضوّ عالواوي”.

في هذه المجموعة من أغنيات الأطفال يسجّل لالياس الرحباني الأسبقيّة في أمور عديدة، أوّلها هو إخراج أغاني الأطفال من الطّابع الوعظي والتّوجيهي المباشر الّذي طغى على الغناء الموجّه للأطفال والذي ندر أن شذّت عنه أي أغنية. وثانيهما النّجاح في تقديم حالة بصرية تخيليّة من خلال شخصيات تصف الأغنية أحوالها بشكل مرح وكاريكاتوريّ يصوّر شكل حياة، ولا يبحث عن التّربية والتّوجيه والإرشاد. وبذلك يمكن القول إنّ الياس في شغله على أغاني الأطفال كان خارجًا على السّلطات التّربوية والثقافية.

الأمر نفسه يمكن ملاحظته في أعماله لكبار المطربين مثل فيروز وصباح.

رحيله إثر إصابته بفيروس الكورونا عن 83 عاماً في أوّل أيّام 2021 جاء طافحاً بمرارة لم يكن يحبّ أن يكبتها في حياته، بل كان حريصاً على التّعبير عنها، رافضاً الرّكون إلى الصّمت

فيروز الياس الرحباني لم تكن سفيرتنا إلى النجوم، بل كانت صديقتنا ورفيقة مشاويرنا العادية. صارت مطربة الألفة وليست الوصيّة على الوطن وأساطيرة.

أدخلها الياس في مشهديّة مختلفة تشبه في منطقها روح أغاني الأطفال فجعلنا نتلقى فيروز كأطفال، وهذا كان تحوّلا خطيراً في التّركيبة الفيروزية مهّد لاحقا لتحوّلات لاحقة مع زياد الرّحباني.

لم يكن ممكنا تخيّل فيروز تغني “كيفَك إنتَ”، و”تمرق عليّ إمرق”، لولا التّمهيد التّاريخي الذي صنعه لها الياس الرحباني عبر سلسلة من الأغنيات الحاملة لطابع تصويريّ من قبيل “حنّا السكران”،  و”كان عنّا طاحون”.

نزعة المغامرة والتّجديد سمحت لالياس الرحباني بالتّلحين لهيفاء وهبي النّجمة التي لا تنتمي إلى عالم الغناء، فقد فاجأ الجميع عام 2005 بتقديمه أغنية “بدي عيش”. حقّقت الأغنية نجاحات كبيرة وأثارت عاصفة من الانتقادات ضدّه، ردّ عليها بالتأكيد على أن النّجمة قدمت اللّحن بطريقة لا يجيدها معظم الموجودين على السّاحة الفنية.

هذه الأغنية أسّست لنوع استفاض الملحنون في تقديمه من دون الإمساك بمفاتيحه. شاع التّلحين لأصوات غير متمكّنة، بشكل يحاول استنساخ تجربة الياس الرحباني مع هيفاء من دون نجاح يذكر، بل تم تشويه المشروع الذي كان يدافع عنه وهو تقديم الأغنية الاستعراضيّة الخفيفة الّتي لا تحتاج إلى طاقات صوتية كبيرة بشكل صحيح، في إطار يتلاءم مع فكرة الاستعراض وينسجم معها.

الياس الرحباني كان كغيره من الملحنين الكبار مسكوناً بهاجس الموسيقى البحتة، وهو الهاجس نفسه الذي كان موجوداً عند الموسيقار محمد عبد الوهاب والّذي دفعه الى إصدار مجموعة من المؤلفات الموسيقيّة البحتة على أسطوانات.

يعرف الملحّنون أنّ الأغاني تُنسب إلى المغنّين أكثر من الملّحّنين، مع أن الصّانع الفعليّ للأغنية هو الملحّن قبل الشاعر والمغني، لذلك فإنّ معظم الملحنين العرب الكبار حرصوا على تسجيل إنتاج موسيقيّ بحت كنوع من التّأكيد على خصوصيتهم الفريدة المستقلّة عن الغناء.

لم يكن ممكنا تخيّل فيروز تغني “كيفَك إنتَ”، و”تمرق عليّ إمرق”، لولا التّمهيد التّاريخي الذي صنعه لها الياس الرحباني عبر سلسلة من الأغنيات الحاملة لطابع تصويريّ من قبيل “حنّا السكران”، و”كان عنّا طاحون”

يمتاز الياس الرحباني عن غيره من الملحّنين بأنّه صاحب الموسيقى التصويرية لعدد من الأفلام المصرية المعروفة مثل “دمي ودموعي وابتسامتي” من إخراج حسين كمال، وكتابة إحسان عبد القدوس، وبطولة نجلاء فتحي، ونور الشريف، وحسين فهمي، وكذلك فيلم “أجمل أيام حياتي” من إخراج هنري بركات، وكتابة عبد الحي أديب، وبطولة نجلاء فتحي، وعماد حمدي وحسين فهمي.

لم تقف مشاريعه  التّأليفيه عند حدود الموسيقى التصويريّة فقد ألّف عشرات المقطوعات، لكنّ إصداره الأبرز كان أسطوانة “موزاييك من الشرق، ناي بزق، غيتار”.

إقرأ أيضاً: رحيل حاتم العلي: “سورنة” الموت

صدرت هذه الأسطوانة عام 1972 وتعتبر حتّى الآن الأكثر طلباً من قبل محبّي الموسيقى، وتضم مجموعة من المقطوعات التي تظهر فيها روح التّأليف الخاص بالياس الرحباني لناحية خلق خلطة شرقية غربية، إضافة إلى التّوزيع الذي يوسّع مدى اللحن والإيقاعات، عبر توظيف مجموعة كبيرة من الآلات الموسيقية المختلفة.

من هنا وفي محاولة لإنصاف الراحل يمكن القول إنّ تجربته الواسعة والغزيرة والشّديدة التّنوّع خلقت نمطاً خاصاً يمكن تسجيله باسم الياس الرحباني، ويمكن التأكيد أنّه التعبير الأوضح عن مزاج ما بعد السبعينات في الموسيقى والغناء، وأنه شكّل الأرض الصّلبة التي قامت عليها الأغنية اللبنانية الحديثة، وفتحت المجال الذي انطلقت منه الكثير من التّجارب الموسيقيّة والغنائيّة العربيّة المعاصرة.

إقرأ أيضاً

لبنان ما زال في بوسطة عين الرمّانة!

مرّت ذكرى 13 نيسان. لا يزال شبح بوسطة عين الرمّانة مخيّماً على الحياة السياسيّة اللبنانيّة. ولا يزال اللبنانيون في خصام مع المنطق. لا يزال اللبنانيون…

لبنان بعد الردّ الإسرائيلي على إيران؟

لا يمكن الاستسهال في التعاطي مع الردّ الإيراني على استهداف القنصلية في دمشق. بمجرّد اتّخاذ قرار الردّ وتوجيه الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل، فإنّ ذلك يعني…

“حصانة” إيران أم “الحصن” الإسرائيليّ؟

لماذا تعمّدت طهران ليلة السبت المنصرم الكشف عن كلّ تفاصيل خطة الهجوم الذي أعدّته ضدّ تل أبيب انتقاماً لاستهداف قنصليّتها في دمشق قبل أسبوعين والتسبّب بسقوط قيادات…

بايدن الرابح الأكبر من الضربة الإيرانيّة لإسرائيل

 ربح جو بايدن مزيداً من “المونة” على إسرائيل يمكّنه من لجم اندفاعها العسكري ضدّ إيران بعد توظيفه الدفاع عنها في المشهد الانتخابي. اكتسبت طهران موقع…